واجبنا تجاه القرآن الكريم والاقتداء به
إن السعادة الموعودة للإنسان في الدنيا والآخرة لا تتحقق إلا بالامتثال للقرآن الكريم. وكل حقيقة مخفيةٌ في القرآن، وكل سعادة ظاهرةٌ في الإيمان. وأسعد الناس وأحسنهم هم الذين يجتمعون تحت ظلال القرآن، ويستنيرون بنور الحياة فيه، ويصبحون كأنهم قرآن حي.
يقول الله تعالى في وصف النبي عليه الصلاة والسلام: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 8)
خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وأكرمه بميزات فريدة مثل العقل والإدراك والفهم. والنتيجة الطبيعية والمنطقية لهذه الميزات هي «المسؤولية». وأكبر مسؤولية للإنسان، الذي له مكانة فريدة بين المخلوقات، هي أداء واجبات العبادة تجاه ربه أداءً صحيحًا. ومن أكبر نِعم الله وكرمه على الإنسان في هذا العالم أن جعله مخاطبًا للقرآن الكريم. ولكن لا شك أن هذا يزيد من المسؤوليات، لأن كل نعمة تقابلها مسؤولية، وهذا أمر منطقي لا محالة.
إذا كان الإنسان يستطيع أن يفهم معنى هذه النعمة كما ينبغي، فيمكنه أن يرتقي إلى الدرجات المعنوية العليا. لأن فهم شرف أن يكون الإنسان من «أمة محمد» يقتضي إدراك أهمية هذه المسؤولية. لكن الله تعالى الذي جعل الدنيا «عالم امتحان»، جعل الإنسان مصابًا بـ"الغفلة" كي يتحقق هذا الامتحان.
لذلك يقع بعض الناس في تيار الغفلة ويبتعدون عن فيض القرآن وبركته ونعمه، ويتبعون أهواء نفوسهم ورغباتها. أما العباد الصالحون والمخلصون فيتغلبون على نفوسهم، ويتجاوزون المراحل في طريق التوجه إلى الحق.
والحق أننا إذا قارنَّا حال الأمة التي قضت ألف سنة على الأقل من تاريخ الإسلام الممتد لأربعة عشر قرنًا قائدةً في رفع كلمة التوحيد بالإسلام، فإننا أمام مشهد يستلزم مسؤولية كبيرة. لكن في مثل هذا الوقت، يكون للتمسك بالإيمان والعمل الصالح قيمة فريدة عظيمة، لأن الجهد والسعي الذي يُبذَل في وقت ضعف قضية ما، يكون أعظم قيمة وأشد أهمية من الجهد الذي يُبذَل في وقت انتصارها.
والله تعالى سخَّرَ للإنسان الكون بكل ما فيه أمانةً، المال، والبنون، والصحة، كلها يجب أن تُعَد ضمن هذا السياق. والإنسان مكلف باستخدام هذه الأمانات والمحافظة عليها بدقة. وأعظم هذه الأمانات هي القرآن الكريم، الذي أنعم الله به على الناس دليل هداية بواسطة حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام.
لذلك، ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم القرآن الكريم أولًا بين الأمانات التي تركها لأمته في حجة الوداع. ثم أشهد أصحابه على أنه أدى الأمانة، ثم دعا الله تعالى ثلاث مرات قائلًا: «اللهم اشهد!» (انظر: مسلم، الحج، 147؛ أبو داود، المناسك، 56؛ ابن ماجه، المناسك، 76، 84)
ومهما بلغت قدرة الإنسان على التعبير، فإنها تبقى محدودة. وكل من يملك عقلًا ولغة يستطيع أن يفهمه إلى حد ما. ولكن كلام الله تعالى يتميز بسعة لا حدود لها وعمق لا يمكن بلوغ نهايته، وله لحن أزلي ولذة أبدية لا تنضب. ومهما ارتقت علوم البشر، فإنها لن تصل أبدًا إلى أفق الحقائق الموجودة في القرآن الكريم. لأن القرآن الكريم تجلٍ لكلام الحقائق الإلهية في عالم إدراكنا البشري. وكما أن فهم الذات الإلهية محال، فإن الوصول إلى نهاية الحقائق القرآنية أيضًا محال للإدراك البشري. وما التفاسير والترجمات لتوضيح معاني القرآن الكريم إلا غيض من فيض.
يقول مولانا جلال الدين الرومي رحمه الله:
«يمكن كتابة ظاهر القرآن الكريم بكمية من الحبر، أما أسراره فلا تكفي لها البحار والمحيطات».
قال الله تعالى عن أبدية الحقائق القرآنية:
{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لقمان، 27)
يخضع الكون من أصغر الذرات إلى أكبر المجرات لنظام إلهي محدد. إلا أن الإنسان هو الذي قد يخرج عن هذا النظام والتناغم الكوني بسبب سوء استخدام الإرادة الجزئية التي مُنحَت له.
والإنسان يفقد توازنه بعدم التمسك بالقرآن، ويسيء إلى كرامته، وينجرف نحو أخطر أنواع الجحود، فتبتلعه دوامات الأهواء والشهوات، ويهلك.
وفي القرآن الكريم مواعظ، وفيه الأوامر والنواهي التي تدعو الإنسان إلى الصواب، وإلى الأخلاق الحميدة، وإلى إدراك العبادة، وإلى السعادة الأبدية.
القرآن الكريم يلفت الأنظار إلى الجمال في الكون، وإلى تجليات القدرة الإلهية، ويثير في نفس المؤمن الإيمان، ويجعل العبد يرتعد بقلب حساس أمام هذا النظام الإلهي.
ولا ريب القرآن الكريم أُنزِل ليمنح المؤمنين سعادة الدنيا والآخرة. وسعادة الإنسان والمجتمع تتحقق بإدراك الحقائق القرآنية بشعور الإيمان. فالقرآن نور إلهي ينير ظاهر الإنسان وباطنه، وهو موعظة ونصيحة مليئة بالحكم والعبر.
إن الكتب السماوية الأخرى التي أكملت مهامها التاريخية تركت مع مرور الزمن مجال الإرشاد، بإذن الله تعالى، إلى عهدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام حتى قيام الساعة. ومع الرسالة العامة والأخيرة للنبي عليه الصلاة والسلام سيستمر جو السعادة والروحانية حتى يوم القيامة، ولن يذوق الناس السعادة والراحة الحقيقية إلا بعيش حقائق القرآن الكريم والحقائق المحمدية.
وآيات القرآن عجائب تضيء ظلمات التاريخ، وتفتح ألغازًا لا تُحَل، وتهب ربيع الدنيا والآخرة. القرآن الكريم يروي لنا قصص الأمم السابقة وأحداثها، ويمنحنا الكثير من العبر والحكم، ويعطينا دروسًا حياتية واجتماعية عظيمة للمستقبل.
القرآن الكريم لقلب المؤمن بابٌ عظيمٌ يفتح على آفاق عالم التأمل. إنه منبع للحكمة الإلهية التي تمنح شفاء للنفوس النازفة وراحة للقلوب المتعبة. وهو مصدر إلهي يقدم لنا حقيقة الموت المخيفة وسيلةً وحيدةً للقاء الله تعالى. والحياة بعيدًا عن القرآن هي انتحار مطلق في عالم الخلود.
والقرآن الكريم أجمل الكلام، لذلك يبلغ جمال صوت الإنسان كماله في تلاوة القرآن. والقلوب التي تتوق إلى الحقيقة قد تكتفي بأي صوت، إلا صوت القرآن فلا تكتفي به أبدًا، بل تطلبه ولا تشبع! ففي كل نغمة من نغماته تتعطر القلوب الرقيقة بنفحات الجنة.
لكن الغافلين الذين يستمعون إلى صوت القرآن ولا يصلون إلى حكمته، يفقدون البركات المطلوبة في حياة الإنسان. فهؤلاء وأمثالهم يركضون وراء ملذات الدنيا الفانية ويفقدون شرف أن يكونوا عبادًا حقيقيين لله تعالى.
والقرآن الكريم ينير ظلمات الموت التي لا يمكن التغلب عليها بأي معرفة أو عقل. وهكذا يجعل الحقيقةَ المخيفة للموت بوابة سعيدة تفتح على عالم لا نهاية له.
يجهل كثير من الغافلين الذين يدفنون أحبائهم في القبور ما يجري تحت التراب، لأنهم ليسوا على دراية بلغة أشجار السرو التي تُظِل القبور. وإذا تلقوا ضربة تحذير بالزلازل والعواصف والمصائب المختلفة، بحثوا عن ملاذ من الكوارث الطبيعية. فما أعجب حال هؤلاء الذين يعيشون في ملك الله، لكنهم إما يعادونه أو يبقون غير مبالين بأوامره.
يقول الله تعالى في هذا الشأن:
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} (يس، 77)
إن القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة. والإنسان الذي يعيش بغير القرآن يشبه قبور بعض الأشقياء التي تكون حفرة من حفر النار. فهو أشبه بقبر متحرك. أما المؤمن الذي يملأ نورُ القرآن قلبَه فيتفكر في الحقائق الكبرى كل لحظة. فكأن الكلام الإلهي يخاطب قلبه:
«أنت عبد الله، تعيش في ملكه، وتُرزَق برزقه، فاغمر نفسك في حكم القرآن وأسراره، وارحل إلى ربك بقلب سليم!».
ينبغي أن يتجاوز توريث المؤمن لأبنائه الماديات الفانية، إذ يجب أن يكون الميراث الحقيقي هو ثروة الأبدية. وينبغي للوالدَين أن يتركا لأولادهما سعادة لا تزول بدلًا من اللذات الفانية، وإلا سيحاسِب الأولادُ آباءهم يوم الحساب على تقصيرهم في ترك هذا الميراث.
لا خطأ يُظلِم حياةَ الإنسان المعنوية أكبر من إهمال القرآن. وقد ذكر النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم أن أعظم الذنوب التي ستواجهها أمته هي نسيان ما تعلموه من القرآن. لذا علينا أن نجهِّز أنفسنا وأبناءنا بحب القرآن الكريم الذي نتعلمه ونسعى للعيش به.
إن الحياة تتكون من مرحلتين، الأولى تتعلق بالدنيا والأخرى بالآخرة. والعلوم الدنيوية تفتقر إلى القدرة على إضاءة حياة الآخرة، أما العلوم الدينية فتقدم محتوى يمكنه أن يضمن السعادة والسلام والراحة في الدنيا والآخرة.
وحياة المجتمع الذي يفتقر إلى روحانية القرآن تشبه كابوسًا بعد نهار مظلم. والذي يفخر بمعرفته الدنيوية ويجادل ضد الحقائق القرآنية لا يدرك أن العقل الذي هو أساس العلوم قد خلقه الله تعالى، وأن بريق أفكاره يحدث بإرادة الله تعالى، فحقائق القرآن تحيط به وبعلومه.
أليس من المؤسف أن نبذل جهدًا كبيرًا لتعليم أولادنا لغات أجنبية ونقارن بين المدارس لنختار الأفضل بينها لهم، ونحن نتجاهل- بل ونستخف أحيانًا- بمعاهد تعليم القرآن؟ إن أعظم نجاح هو أن نترك وراءنا جيلًا صالحًا يدعو لنا ويكون سببًا في فوزنا الأبدي بعد الموت.
يشهد التاريخ على أن الأمم ازدهرت على قدر ما اتبعت القرآن الكريم. وحتى المجتمعات التي لا تقبل القرآن، مثل العالم الغربي اليوم، تدين برفاهيتها الدنيوية وراحتها إلى تطبيقها لبعض من المبادئ القرآنية دون علم.
وعلينا ألا ننسى أن السبب في وجود هذا العَالم هو أن يُعرَف الله تعالى كما ينبغي، وأن تستمر الحياة البشرية في ضوء هذه المعرفة. وهذا يتحقق بالإسلام، لذلك يعد استمرار الإسلام حتى يوم القيامة نتيجة طبيعية لهذه الإرادة الإلهية.
وقد تكون تقلبات في سيادة الإسلام على العالم على مر التاريخ، لكن هذا الدين المبين لا يزول أبدًا. فلا يمكن حجب نور الإسلام، مثلما لا يمكن حجب نور الشمس، لأن الله تعالى تكفَّل بهذا الدين. وزوال سيادة الإسلام تمامًا يعني قيام الساعة. أي إذا انتهى الإسلام، انتهت الحياة الدنيا.
ومع ذلك تتجلى الإرادة الإلهية في هذا العالم على شكل «أسباب». ولا شك أن استمرار الإسلام وسيادته مرتبطان ببعض الأسباب. ويتجلى العامل الرئيسي في هذه الأسباب في تمسك المؤمنين بالقرآن الكريم، والتحلي بأخلاقه، والالتزام بهديه.
والعامل الأول للخلاص من كل فترة انقطاع في سبيل الحق والحقيقة هو الجهد المبذول في خدمة القرآن الكريم. عصرنا عصر ذو أهمية كبيرة لمثل هذه العزائم والجهود. والخدمة الرئيسية التي يمكن أن تضمن نهضة الأمة وعودتها إلى جوهرها في هذا الوقت هي تعزيز الاهتمام بالقرآن الكريم. أما الإهمال في هذا الأمر فيعني تعريض مستقبلنا ومستقبل أجيالنا ومستقبل الأمة بأكملها للخطر.
وعد الله تعالى بأنه سيتم نوره، لكن الله سيحقق وعده بإتمام نوره بأيدي الناس، لذلك علينا جميعًا أن نكون أهلًا لتحقيق هذا الوعد. فربنا سيتم نوره على أي حال، ولكن الذين يتهاونون في هذه الخدمات سيكونون مسؤولين.
ولا يخفى على المسلم العقاب الإلهي الذي نزل على الثلاثة الذين لم يشاركوا في غزوة تبوك على الرغم من مشاركتهم في جميع الغزوات مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. أي إن المقدَّر سيتحقق في كل الأحوال، ولكن الذي لا يؤدي المهام المأمور بها في تحقيق ما هو مقدر سيُسأَل عنها.
لذلك لا بد من أن نبذل جهدًا في سبيل سيادة الإسلام، من أجل أن نؤدي المسؤولية الفردية. وماذا يمكن أن يكون أعلى شرفًا للمؤمن من أن يشارك في هذه الخدمة الإيمانية المجيدة؟ لكن من العبث انتظار العون الإلهي بالأمل دون بذل جهد.
لنرسل أطفالنا إلى المساجد ومعاهد تعليم القرآن الكريم، ولا نسمح لأنفسنا بالانخداع بتقدير المنافع الصغيرة والفانية والمصالح الدنيوية بسبب القلق على المستقبل، ونفقد نعمة القرآن الكريم التي منحها الله لنا.
يقول الله تعالى:
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}( آل عمران، 26)
{وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}( آل عمران، 189)
{وَلِلهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} (المنافقون، 7)
تبيِّن هذه الآيات بوضوح أن القوة الوحيدة التي يمكنها منح الازدهار والمستقبل هي قوة الله سبحانه وتعالى خالق الكون، والحياة الآخرة هي المستقبل الحقيقي، والرضا الإلهي هو الازدهار الحقيقي.
إن الحقائق الموجودة في القرآن الكريم التي تقود الناس إلى السعادة والكمال، وتأخذ الأمم إلى الشرف والعظمة، لا يمكن أن تتغاضى عن الكوارث الكبيرة والعقوبات الثقيلة الناتجة عن إهمالها. فلا ريب أن التصرف بناءً على هذا الفهم هو الواجب الأول لكل مسلم عاقل ذكي.
لا يمكن تصور بؤس أكبر من عداوة القرآن، ولكن الإهمال في خدمته يجعلنا أقرب إلى خانة عداوته. ينجرف الناس اليوم مع تيارات الحداثة السلبية كما تنجرف جذوع الأشجار في السيل، فعلينا أن نبقى ثابتين صامدين. وعلينا أن نسعى جاهدين لتعليم القرآن لأهلنا وأقربائنا ومجتمعنا ونشر نوره وبركته، لحماية أنفسنا من الكفر والإلحاد والتنازلات. يجب أن نتذكر دائمًا حاجتنا إلى القرآن الكريم.
إن العيش مع القرآن بصورة دائمة يجعلنا نلتزم بأوامره ونواهيه ونتحلَّى بأخلاقه، والتصرف عكس ذلك خسارة كبيرة، وتبديد للمستقبل الأبدي مقابل لذائذ فانية.يقول الله تعالى:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد، 24)
لا بد أن يُولي معلمو القرآن الكريم اهتمامًا أكبر لطلابهم في زمننا هذا الذي يغلب على الناس الولع بالماديات. يجب أن يكون قلب الطالب مليئًا بمحبة معلمه. ويجب أن تُغمر القلوب الصغيرة بحب الله ورسوله، ويتجلى فيها جمال الإسلام.
في هذا العالم، حيث نحن جميعًا مسافرون دائمون، لا ينبغي لنا أن نجلس وكأننا سنستقر خالدين في هذه الدنيا. فالأجيال هي قوافل الهجرة إلى الآخرة. والانتقال من هذا العالم إلى عالم الحقيقة هو جوهر الحياة وحقيقتها التي لا مفر منها.
علينا أن نفهم حقيقة أننا في يوم من الأيام سنصبح جزءًا من التراب الذي نسير عليه اليوم، وننظم حياتنا على ضوء هذا الفهم، ولا بد أن ننحني لإيماننا وحبنا العميق للقرآن الكريم. وتقع المسؤولية على الآباء والأمهات في المقام الأول لضمان أن يمتلك الأبناء رؤية ناضجة للحياة وما بعدها. فطوبى لمن يؤدي هذه الخدمة العظيمة تجاه أبنائه والأجيال القادمة، وينال البراءة من المسؤولية تجاه نعمة القرآن الكريم في الميزان الإلهي.
الاقتداء بالقرآن الكريم...
مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجانب بيت فسمع صاحب البيت يقرأ سورة الطور بصوت عالٍ. ولما وصل إلى الآية: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ. مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ } (الطور، 7-8)
نزل عمر من راحلته واتكأ على الجدار لبعض الوقت يستمع. ثم أثَّر فيه الوعيد في الآية تأثيرًا عظيمًا أمرضه فمكث على سريره حينًا.
ومما يجعلنا نتفكر ونتدبر أن عمرًا رضي الله عنه تعلمَ البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزورًا. (البيهقي، شعب الإيمان، 3، 346) لأن قراءته للقرآن لم تكن مجرد تلاوة للألفاظ، بل كانت قراءة تفهم وتدبر في الحكم والأسرار الإلهية. والاستفادة الحقيقية من القرآن لا تكون إلا بهذا النوع من القراءة...فالقلوب تتشكل بقدر ما تتشرب من القرآن، وبقدر إخلاصها تتلقى منه. ويختلف هذا النصيب من شخص لآخر، فقد يكون قليلًا أو معتدلًا أو كثيرًا وفقًا لسمو قلب صاحبه.
إن القرآن، الذي يؤثر حتى في الكائنات الأخرى يكشف عن أسراره لمن تحرر من الأنانية وامتزج بالنورانية. فلا بد أن يكون القلب حيًّا بالقرآن لكي ينال لطفه وأسراره.
ولكي يصبح الإنسان قرآنًا حيًّا، يجب أن يتعلم القرآن بأفضل طريقة ويعيشه. وهذا يبدأ بدخول جو علم القرآن، والغوص في بحره المليء بالحِكم، والاعتبار بقصصه، والتغذي من مائدة معرفته، والتوجه إلى أفق الإحسان، والتمسك بسلاح الصبر أمام المصائب، والاستسلام لرضا القضاء الإلهي، والتشبع من ينبوع التسليم، وارتداء ثوب التضحية، والدخول في قصر المحبة، والتمسك بنهج التوصية بالحق والصبر، وجعل الإنفاق طبعًا أصيلًا، والثبات على الأعمال الصالحة.
فالقلب يصبح حديقة ورود بلا أشواك لينال محبة الله. والذي ينجح في ذلك، أي الذي يصبح قرآنًا حيًّا، يصبح عالِمًا عاملًا، وحكيمًا بليغًا، فينضم إلى قافلة العارفين والصالحين والزاهدين والعاشقين والصادقين.
إن تسليط نور القرآن على كل جانب من جوانب حياتنا وتلقي قلوبنا من كوثره والتوجه نحو الأبدية هو الوسيلة الوحيدة لسعادتنا الأبدية.
ثمة أناس كثيرون لم يشغلوا ألسنتهم وقلوبهم بشيء سوى القرآن، وكانوا يطلبون كل ما يريدونه بقراءة آية من القرآن، وكذلك يجيبون عن كل ما يُسألون بقراءة آية منه، وكانوا مدركين للَّفظ والمعنى. فقد روى عبد الله بن المبارك حال امرأة تحمل هذه الصفات المليئة بالعبر والحكم، فقال:
بينما أنا في الطريق إذ رأيت عجوزًا عليها درع من صوف خمار فقلت: السلام عليك ورحمة الله فقالت: (سلام قولًا من رب رحيم)، فقلت: ماذا تصنعين في هذا المكان؟ قالت: (من يضلل الله فلا هادي له)، فقلت في نفسي إنها ضالة عن الطريق، فقلت لها: إلى أين تريدين؟ فقالت: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، فقلت إنها قضت حجتها وهي تريد بيت المقدس، فقلت لها: أنت منذ كم في هذا المكان؟ فقالت: (ثلاث ليال سويًّا)، فقلت: ما أرى معك طعامًا تأكلين؟ قالت: (هو يطعمني ويسقين)، فقلت هل معك ماء تتوضئين؟ فقالت: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا).
فقلت لها: لمَ لا تكلميني مثل ما أكلمك؟ قالت: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، فقلت: مِن أي الناس أنت؟ قالت: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع البصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا)، فقلت: هل أخطأت فاجعليني في حل؟ قالت: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)، فقلت هل لك أن أحملك على ناقتي فتدركي القافلة؟ فقالت: (وما تفعلوا من خير يعلمه الله)، قال: فأنخت ناقتي فقالت: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، فأغمضت عيني عنها، فقلت لها اركبي، فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فتمزق ثوبها فقالت: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)، فقلت لها اصبري فقالت: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين).
قال: فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسعى وأصيح فقالت: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك)، فجعلت أمشي رويدًا رويدًا وأترنم الشعر فقالت: (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن)، فقلت لها: لقد أوتيت خيرًا كثيرًا قالت: (وما يذكَّر إلا أولوا الألباب). فلما مشيت قليلًا قلت ألك زوج؟ قالت: (يا أيها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، فسكتُّ فلم أكلمها حتى أدركت القافلة، فقلت لها: هذه القافلة فما لك فيها؟ قالت: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)، فعلمت أن لها أولادًا، فقلت: وما شأنهم في الحج؟ قالت: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)، فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بهم القباب والعمارات.
فقلت: هذه القباب فما لك فيها؟ قالت: (واتخذ الله إبراهيم خليلًا)، (وكلم الله موسى تكليمًا)، (يا يحيى..) فإذا بشبان كأنهم الأقمار واستقر بهم الجلوس. قالت: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا فليأتكم برزق منه)، فمضى أحدهم فاشترى طعامًا فقدَّموه بين يدي، فقالت: (كلوا واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية)، قلت: الآن طعامكم عليَّ حرام حتى تخبروني بأمرها، قالوا: هذه أمُّنا تحج كل عام، لها أربعون سنة لا تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله»، فأشار بذلك إلى أن المؤمن الذي يكون قرآنًا حيًّا ينال بركات لا حصر لها من هذا الكتاب العظيم، لذلك يجب أن تكون الحياة والقرآن متداخلين لا ينفصلان.
فالقرآن مليء بالعلم اللامحدود والأسرار والحكمة والمعرفة، كما جاء في قوله تعالى:
{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لقمان، 27)
القرآن مفتاح لا يعسر عليه فتح أي باب، وهو رحمة لا مثيل لها. والإنسان لا يمكنه الحفاظ على جوهره إلا في جو القرآن الرفيع. وبالقرآن يمكن للإنسان أن يدرك تجليات قدرة الله في الكون، ويصل إلى مرضاة الله بفضل الرقة القلبية والبصيرة.
فالقرآن مدرسة مقدسة تُعلِّم الإنسان كل واجب عظيم. إنه كتاب الحق الذي يُظهِر للإنسان الحكمة والجواهر الإلهية في خلقه، ويساهم في تجلي الجمال الإلهي فيه. فالذي يخضع لما جاء فيه خضوعًا تامًّا يخصص عقله لحقائق الإيمان، وقلبه للمناظر القدسية، ونفسه للسلوك الحميد، وأعضاءه للأعمال الصالحة، فيصبح حقًّا قرآنًا حيًّا. وبذلك يعيش في مناخ القرآن، ويصبح كالشجرة الكبيرة المختبئة في البذرة، والمجرة الكبيرة المختبئة في الذرة، والفرد الذي يحتوي على المجتمع، ويصل إلى مرتبة أسمى من الملائكة، لأنه تشبَّع بأخلاق القرآن، وتحلى بالأخلاق التي يرضى عنها الله ورسوله.
وينبغي هنا أن نوضح أن تمسك المسلم بكتاب الله وتحوله إلى قرآن حي لا يعني تجاهله الأحاديث النبوية الشريفة والسنة النبوية، بل عليه العيش بالكتاب والسنة معًا. فالله تعالى يقول في القرآن الكريم:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر، 7)
فالتقليل من شأن السنة أو تركها والاقتصار على الفرائض مخالف لروح القرآن، لأن الالتزام بالسنة يعين في إتمام الفرائض، وهي زينة العبادات وجمالها، وتؤثر في قبولها. علينا أن نذكر أن الإسلام قدَّم للبشر مصدرين من النور: القرآن الكريم، وسنة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم.
فيا رب، زين قلوبنا بعلم القرآن الكريم وحكمته ونوره وسروره، واجعلنا من الذين يعيشون الإسلام مثل قرآن حي، ومن عشاق النبي عليه الصلاة والسلام...آمين!...
يا رب، احفظ أمتنا من الفراغ من القرآن، وقلة الإيمان، وزوال الإحسان! ..يا رب، هب لنا حياة الجنة في هذا العالم الفاني بفضل القرآن الكريم!.آمين...
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 44، 9/2024