أمثلة سامية من الأخلاق العظمى
لقد بعث الله تعالى نبيه محمدًا صلّى الله عليه وسلّم ليكون هاديًا ومُعلِّمًا للناس، لا يُبلِّغ عن ربه فقط، بل يُجسِّد في سلوكه أسمى معاني الأخلاق، كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم، 4]
فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قدوةً في الصدق، ورحمةً للمؤمنين وغيرهم، وعدلاً مع أعدائه قبل أتباعه، متواضعًا رغم مكانته، صبورًا في الشدائد، كريمًا مع الجميع، وحليمًا حتى مع من آذاه. وفي هذا المقال، نسلّط الضوء على بعض الأمثلة السامية من أخلاقه العظيمة التي تبقى منارة للبشرية في كل زمان ومكان.
الأجمل...
الإنسان مولع بالجمال، فسواء في الصورة أو في السيرة، يبحث كل موجود عن الحسن ويعشق الكمال. كما أن مورد الماء العذب مزدحم بالناس، فإن روح الإنسان تُبدي إعجابًا بأجمل شخصية وتميل إلى أجمل خُلُق...وقد أجاب الحق سبحانه عن سؤال: لماذا خلق الله الوجود والعدم؟ بقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك، 2]
وقد شغلت البشرية نفسها بالفن بحثًا عن هذا الجمال. فلو أن رسامًا فانيًا تأمل جزءًا صغيرًا من هذا الكون اللامتناهي ثم أبدع لوحة فنية، لأبدى الناس إعجابًا شديدًا بها، وهنَّؤوا الرسام، وأقاموا المعارض لأجلها. لكن الجمال الأحق بالإعجاب هو شخص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
الناس يُعجبون بالأزهار ذات الألوان الزاهية والروائح العبقة، لكنها تذبل وتذوي بعد حين، لأنها ليست إلا رموزًا للجمال الأعظم. أما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد جُمع فيه جمالٌ لا يذبل، وخلال فريدة لا تنفد، فهو ديوان للأخلاق الفاضلة ورياض من مكارم السجايا.
وقد وصفه رب العزة بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم، 4]
وهذا الجمال ليس لمجرد التأمل والإعجاب، بل ليُتخذ قدوة ويُحتذى به ويُتبع. قال الله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب، 21]
القدوة المثلى...
في طبيعة الإنسان نزعة إلى التقليد. فأهل الدنيا يقلدون المشاهير في تسريحة الشعر واللباس والسلوك وسائر الخصوصيات، فيعيشون – شعروا أم لم يشعروا – وهم ينسخون الآخرين. أما أهل الآخرة وأهل التقوى، فقد مَنَّ الله عليهم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قدوة كبرى ومثالًا أعلى.
ومسيرة الآخرة، التي تبدأ بعد آخر نَفَس، مليئة بالمخاطر والعقبات والأهوال. والطريق إلى الأمان من تلك الأهوال هو أن يبلغ العبد درجة من القرب والصحبة مع الله سبحانه، فحينها يكون من أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وهنا يطرح سؤال عظيم: – كيف يحبنا الله؟
والجواب: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران، 31]
وسؤال آخر: من سيكون إلى جانب من يوم المحشر؟
الجواب جاء في الحديث الشريف: "المرء مع من أحب" [البخاري، الأدب، 96]
إذن محبتنا لله يجب أن تدفعنا إلى اتباع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ومحبتنا للنبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تترجم إلى اتباع سنته في حياتنا كلها، فتجمل حياتنا بآدابه وسننه، ويكون الجزاء الأعظم أن نُحشر في صحبته يوم القيامة وفي الآخرة...فإن لم تُثمر محبتنا هذا الاتباع وهذا التغير في حياتنا، فهي مجرد دعوى على اللسان لم تنفذ إلى القلب.
واليوم حين يُذكر «العشق» يُفهم على نحو خاطئ، إذ يُظن أنه مجرد ميل الجسد إلى الجسد، وهو ليس عشقًا بل شهوة. أما العشق الحق فهو انجذاب الروح إلى الروح، وهذا هو الذي يرقّي الإنسان ويقوده إلى محبة الله سبحانه وتعالى.
والعاشق الصادق لا يرى في بذل نفسه وماله في سبيل محبوبه تضحية، بل يعده أداءً لحق ووفاءً لدَين. وهكذا كان الصحابة، إذ كانوا يرون فداء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأرواحهم وأموالهم غاية الشرف، فيقولون:
«يا رسول الله، مُر! نفسي ومالي لك فداء».
والذي أوصل الصحابة إلى رضوان الله هو أنهم لم يقتصروا على مجرد المحبة بالقول، بل زيّنوها بالاتباع العملي لسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
رأى الصحابة في شخص النبي صلّى الله عليه وسلّم قمة الإنسانية، فانقادوا إليه بكل حياتهم، وجعلوا غاية حياتهم تحقيق رغباته...وكانوا ينقلون أوصافه الشريفة للأجيال القادمة كأمانة... قال أبو قرصافة رضي الله عنه: لما بايعنا رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم -أنا وأمي وخالتي ورجعنا من عنده منصرفين قالت لي أمي وخالتي: يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن منه وجها، ولا أنقى ثوبا، ولا ألين كلاما، ورأينا كأن النور يخرج من فيه. [الهيثمي، مجمع الزوائد، 8، 279-280]
وكانت ملامحه انعكاسًا لجمال باطنه. وقد شهد بذلك عبد الله بن سلام – وكان من أحبار اليهود – إذ لما دخل النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة أسرع إليه، فما إن نظر إلى وجهه حتى قال: «والله ما هذا الوجه بوجه كذاب»، فأسلم...
ولما سُئل خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يصف النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الرسول على قدر المرسل»، أي من بعثه الله لا يمكن أن يُقدّر وصفه.
وقال عليّ رضي الله عنه: «من أراد أن يصفه فليقل: لم أر قبله ولا بعده مثله قط»...
ولهذا يجب أن نقرأ ونحدث دائمًا بصفاته وفضائله، ونعرّف بها أبناءنا والأجيال اللاحقة والإنسانية جمعاء.
- نماذج من أخلاقه العطرة
خشيته من الله تعالى...
كان عليه الصلاة والسلام في حياته الخاصة يعيش بخوف وخشية من الله تعالى، مع أنه سيد الأنبياء ومعصوم وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلا أنه كان شديد الحرص على العبادة والطاعة. وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ويقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» وكان يسمع من صدره صوت كغليان القدر في صلاته الطويلة خضوعًا لله سبحانه وتعالى. وإذا رأى غيمة سوداء اضطرب خشية أن يكون فيها عذاب من الله سبحانه وتعالى. وكان صمته تفكرًا، وكلامه ذكرًا، ولسانه عامرًا بالدعاء والابتهال.
تواضعه عليه الصلاة والسلام...
هو عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء وسيد البشر، لكنه إذا تحدث عن مقامه قال: «لا فخر». وحين دخل مكة فاتحًا بعد عشرين عامًا من الدعوة والجهاد، لم يدخلها كقائد متعالٍ، بل كان مطأطئ الرأس على دابته كأنه في سجود، تواضعًا لله تعالى.
رحمته عليه الصلاة والسلام...
إنّ جناحي رحمة ذلك النبي المبعوث رحمة للعالمين، لم يشملا البشر فقط، بل شملَا الحيوان والنبات أيضًا. فكانت الإبل التي تتعرض لسوء معاملة من أصحابها تأتي إليه عليه الصلاة والسلام تلجأ وتستجير. لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يسمح حتى بأن يُهزّ شجرة بعنف...أما رحمته بأمته فكانت من نوع آخر، إذ قال صلّى الله عليه وسلّم:
«أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله عز وجل فأيكم ما ترك دينا أو ضيعة فادعوني فأنا وليه وأيكم ما ترك مالا فليورث عصبته من كان» (البخاري، تفسير، 33/1، الكفالة، 5، الفرائض، 4، 15، 25؛ مسلم، الفرائض، 14)
وقد علَّم عليه الصلاة والسلام أصحابه هذه الرحمة. فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجوب شوارع المدينة مدفوعًا بإحساس المسؤولية، فيسمع صرخات المستضعفين، ويحمل على ظهره الطعام إلى بيوتهم. وكذلك زين العابدين من السادة الكرام، كان يحمل الطعام ليلًا على ظهره ويوصله إلى بيوت الفقراء. ولم يُعرف سره هذا إلا عندما وُجد في جسده عند تغسيله أثر النَدَب من حمل الأكياس على ظهره.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رحيمًا بأمته إلى حدّ أنه لا يرتاح حتى يقضي حاجة المحتاج. يروي جرير بن عبد الله رضي الله عنه القصة التالية: كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) [النساء: 1] إلى آخر الآية، (إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء: 1] والآية التي في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله) [الحشر: 18] «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره - حتى قال - ولو بشق تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتهلل، كأنه مذهبة. (مسلم، زكاة، 69)
في مثل هذا الموقف، كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُشبع جوعه بإشباع الجائعين، وينسى جوعه في لذة إطعام المحتاجين. وقد شهدت أمنا عائشة رضي الله عنها أنه ما شبع من خبز الشعير يومين متتابعين. ولم يكن ذلك دائمًا بسبب الفقر أو قلة المورد، فقد كانت تُهدى إليه الهدايا، وفي سنوات المدينة كان يُعطى خمس الغنائم، ومع ذلك لم يكن يطمئن حتى يوزعها كلها على الفقراء.
كرمه عليه الصلاة والسلام...
لم يُعرف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه ردَّ سائلًا قط. فإذا جاءه أحد يطلب شيئًا ولم يكن عنده ما يعطيه، كان يعده بأن يوفر له ما يحتاج، أو يأمر بأن يُشترى له بالدَّين على أن يقضي ذلك لاحقًا... وجاء إليه - صلى الله عليه وسلم - رجل فسأله أن يعطيه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«ما عندي شيء، ولكن ابتع عليَّ، فإذا جاءني شيء قضيتُه».
فقال عمر: يا رسول الله، ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قولَ عمر. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، فابتسم النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال: «بهذا أُمرت» (الهيثمي، 10/242)
وكان الصحابة يتأسّون به عليه الصلاة والسلام، فامتثلوا قول الله تعالى:
{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران، 92)
يقول أنس رضي الله عنه في ذكر تطبيق الصحابة لهذه الآية:
«كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار نخلًا في المدينة، وأحب أمواله إليه بستان "بيرحاء"، وكان مقابل المسجد النبوي، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدخله ويشرب من مائه العذب. فلما نزلت الآية، جاء أبو طلحة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إنّ أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإني أجعلها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله. فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بَخٍ، ذلك مال رابح! ذلك مال رابح!» (البخاري، زكاة، 44؛ مسلم، زكاة، 42–43)
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا لم يجد ما يعطي، عمل بقول الله تعالى:
{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} (الإسراء، 28)
فكان يُسلي المحتاج بالكلمة الطيبة.
وعلى الرغم من أنّه عليه الصلاة والسلام مرّ بأنواع الشدائد والمحن، إلا أن وجهه لم يخلُ من ابتسامة دائمة.
اهتمامه عليه الصلاة والسلام وعنايته...
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا فقد أحدًا من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان بعيدًا دعا له، وإن كان في بيته زاره، وإن كان مريضًا عادَه. (الهيثمي، 2، 295)
وكان في الغزوات يسير في المقدمة ليبث الشجاعة في القلوب، فإذا رجع اهتم بالجرحى والمحزونين فيسير في المؤخرة. وكان اهتمامه خاصًا بأصحاب الصفة. فقد أنزل بيديه في قبر الشهيد الوحيد في تبوك، عبد الله ذو البجادين. وزار عبدًا كان مولعًا بالجماعة حين مرض، وحضر جنازته لما توفي. وأمر عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فاستمع إليه باكيًا. وحمل معاذ بن جبل خلفه على الدابة وأوصاه بالنصائح. وفي إحدى الأسفار استمع إلى جابر في مشكلاته المالية والأسرية، فوجد له حلًا كريمًا غير جارح؛ إذ اشترى منه جمله وأعطاه ثمنه، ثم أهدى له الجمل. وكان له من الصحابة عدد كبير زوّجهم، وعلّمهم الحرف، وأعانهم، ووجّههم حتى زالت همومهم.
لطفه عليه الصلاة والسلام وذوقه الرفيع...
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غاية اللطف والذوق. فإذا أراد أن ينبه أصحابه على خطأ، لا يواجههم به، بل يقول: «ما بال أقوامٍ يفعلون كذا» (البخاري، مناقب، 25، أيمان، 3)، فيشعر المخطئ أنّ هذا الفعل لا يليق به، فينزجر بأدب. وكانت لغته عليه الصلاة والسلام كالماء العذب الرقراق، يروي القلوب العطشى باللين والرفق. ومن رقة ذوقه أنّه إذا تألم من أمرٍ بدا ذلك على وجهه الشريف، فيتنبه الصحابة ويصلحون الخطأ فورًا. فقد رأى يومًا نخامة في المسجد، فتغيّر وجهه، فقام أحد الصحابة فورًا وأزالها (مسلم، مساجد، 53). فكان عليه الصلاة والسلام يعلّم الناس النظافة بأرقّ أسلوب وأدب.
عفوه عليه الصلاة والسلام...
لم ينتقم رسول الله عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، بل كان دائم العفو، يغطي الإساءة بستره وكرمه. حتى أنّه عفا عن هبَّار بن الأسود الذي تسبب في وفاة ابنته زينب رضي الله عنها ، لما جاءه معلنًا الشهادة. وعند فتح مكة، جعل ذلك اليوم يوم رحمة لا يوم دماء، مع أنّ الفرصة كانت مواتية للأخذ بالقصاص من سنوات الظلم. فجمع قريشًا وقال لهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»
فقالوا: «نظن خيرًا، أنت أخ كريم وابن أخ كريم». فقال عليه الصلاة والسلام: «أقول كما قال يوسف لإخوته:
{لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف، 92). اذهبوا فأنتم الطلقاء» (ابن هشام،5، 32). وكان عفوه ورحمته الواسعة لا تمنعه من إقامة الحق والعدل.
عدله عليه الصلاة والسلام...
لم يكن يغضب لنفسه، ولكنه كان يغضب إذا انتُهكت حرمات الله، فيظهر الغضب في جبينه. وكان يراعي الكفاءة والأمانة، ويضع الأمور في نصابها دون محاباة، حتى مع أحبّ الناس إليه. وجاءه أسامة بن زيد يشفع في امرأة من قريش سرقت، فغضب وقال:
«لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (البخاري، أنبياء، 54؛ مسلم، حدود، 8، 9)
جهاده عليه الصلاة والسلام وتفانيه...
كان عليه الصلاة والسلام مشغول البال بهداية الناس وإنقاذهم من النار. لم يعرف الراحة أو الإجازة. ففي مكة بلّغ الرسالة رغم السخرية والإيذاء والرجم. ووُضِع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، فلم يشكُ. وفي الطائف رجموه حتى سال الدم من قدميه، ومع ذلك دعا ربه:
«اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي… اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون» (ابن هشام، 2، 29–30؛ الهيثمي،5، 35؛ البخاري، بدء الخلق، 7)
وكان يولي أصحاب الصفة عناية خاصة، يعدّهم دعاةً يواصلون رسالته بعده. وقد رآه أبو طلحة قائمًا يعلّمهم القرآن، وقد ربط حجرًا على بطنه من شدة الجوع (أبو نعيم، الحلية، I، 342)
مكانته عليه الصلاة والسلام كمعلّم محبوب...
الأنبياء مربّون للبشرية، ورسول الله عليه الصلاة والسلام هو المثل الأعلى في التربية. ربّى أصحابه بالحلم والصبر والمحبة. وكان أنس بن مالك رضي الله عنه ، الذي خدمه عشر سنوات منذ صغره، يقول:
«ما رأيت بعد وفاته عليه الصلاة والسلام رؤيا إلا وكان فيها» (ابن سعد، 6، 20)
وهكذا ظل حب النبي عليه الصلاة والسلام يملأ قلوب أصحابه حتى بعد وفاته. حتى إن عبد الله بن زيد رضي الله عنه لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا حاجة لي في عينين لا تريان رسول الله»، فعمي من وقته. وبلال رضي الله عنه لما فقد رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لم يستطع أن يؤذن من شدّة البكاء. وخالد بن الوليد رضي الله عنه كان يحتفظ بشعرة من شعره الشريف في عمامته، ويقول: «ما انتصرت في معركة إلا ببركته». وفي عصرنا هذا ينبغي أن نفهم جيدًا جانب التربية والتعليم في شخصية النبي عليه الصلاة والسلام ونحييه، فهذا دليل محبتنا الصادقة له.
تذكيره بالآخرة عليه الصلاة والسلام...
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكّر أصحابه بالآخرة في أحلك الظروف وأفرحها. ففي غزوة الخندق، وفي يوم فتح مكة، كان يقول:
«اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» (البخاري، الرقاق، 1)
وكان يضرب لهم الأمثلة على البعث، فقال لأبي رزين العقيلي رضي الله عنه: «أما مررتَ بوادي قومك مجدبًا ثم مررت به يهتز خضرًا؟» قال: «بلى». فقال عليه الصلاة والسلام: «كذلك يحيي الله الموتى» (أحمد،5، 11)
وقال الله تعالى:
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} (يس، 77–79)
وفي خطبة الوداع أوصى أمته قائلًا:
«ألا وإني فرطكم على الحوض، وسأباهي بكم الأمم، فلا تسوّدوا وجهي» (ابن ماجه، مناسك، 76)
فكان عليه الصلاة والسلام يريد لأمته أن تكون قدوة في التقوى. والتقوى تعني قهر النفس، وتنمية الروح، واستشعار مراقبة الله في كل حال. ولذلك ورد لفظ «التقوى» في القرآن نحو 258 مرة. وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} (البقرة، 282)
وختامًا؛ نقول إننا هنا ذكرنا قطرات يسيرة من أخلاق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العظيمة. نسأل الله أن يرزقنا نصيبًا منها، وأن يحشرنا تحت لواء الحمد، عند حوض الكوثر، ونحن غير مخجلين لوجهه الشريف. آمين.
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 47، 9/2025