حثّ المسلمين على الصبر والثبات
يقول الله سبحانه وتعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)
أمام مصائب الحياة والابتلاءات والمفاجآت فيها مُجبَرون على التحلي بالصفات السامية مثل الشكر والتوكل والرضا بالقدر والصبر على البلاء والعزيمة والشجاعة والتضحية والقناعة وغنى القلب والإيثار والكرم والتواضع وغيرها، حتى ننجو بأنفسنا من الفِتَن. وأعظم مرشد أكرمَ اللهُ به البشرَ جميعًا ليكون أسوة في هذه الصفات إنما هو نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم بسيرته العظيمة. فكان عليه الصلاة والسلام أسوةٌ بصبره وتسليمه في الأيام الشِداد والمصائب الجِسَام.
من الصفات السامية الذي يجب على المؤمن أن يتحلى بها الصبر الذي يأتي على معان عدة منها المحافظة على التوازن أمام الأحوال المادية والمعنوية المتبدلة، وصيانة الاعتدال، وإظهار التحمل على الابتلاءات، واحتمال المعاناة، ومقاومة المحن والمشاق برباطة جأش، والثبات على الإيمان مع تقلب الأحوال المادية والمعنوية.
والمتانة هي المتانة والثبات أمام كل أنواع المصائب الحالّة بالمرء وقوة التحمل والصلابة... فالصبر من هذا الجانب مركز الأخلاق الحميدة وشطر الإيمان ومفتاح السعادة.
وأول شروط الصبر إظهاره في أول وقوع الحادثة التي تقتضيه، ولا أجر للصبر في غير وقته. (البخاري، الجنائز، 32)
ثم إن الصبر مركز الأخلاق الحميدة، وشطر الإيمان، ومفتاح السعة والسعادة، وفضيلة عظيمة تصل بالمرء إلى نعم الجنة، والصبر التمتع بالسكينة من دون إفساد التوازن تجاه الحوادث التي تبعث الاستياء وتتسبب بالضيق، والاستسلام للحق تعالى.
لقد كان الأنبياء والأولياء يظهرون نماذج بالغة الروعة في شأن الصبر حتى ظفروا بعون الله سبحانه وتعالى، ولذا فينبغي أن يكونوا قدوتنا في أمر الصبر أيضاً. وإن الناحية الدنيوية للصبر أليمة، وناحيته الأخروية مشرقة، فالذين يتحملون آلام الصبر في صدورهم يصلون إلى دولة الأبدية والتي هي الجنة ويبلغون رضا الله سبحانه وتعالى. وعلى أي حال فإن التفكير بالنعمة والحكمة والجزاء الإلهي لأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه يُسَهّل الصبر. وأول شرط الصبر إظهاره في بداية الحادثة التي تستلزمه، فالصبر إن لم يتم إظهاره في وقته لا مكافأة كبيرة له.
إن مكانة الصبر -الذي يدخل في بنية جميع الأخلاق الإسلامية- عظيمة جداً، يتطرق القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضع فيه إلى الصبر، ويوصى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم -ومن خلاله جميع أمته- بالصبر في الآيات الكريمة على النحو التالي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)
وقد أصدر محمد حمدي يازِر إلماللي في تفسير هذه الآية هذا البيان:
«وإحدى أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى الاسم الشريف «الصبور»، فمن كان عنده صبر فلديه تجلّ من قدرة الله سبحانه وتعالى، وبالأخص إن اجتمع أصحاب الصبر هؤلاء مع بعضهم، يضحون مظهراً لعون الله تعالى، والله تعالى وليهم ومتوليهم على الدوام».
ومهما اشتد ألم الصبر في الدنيا، زاد الثواب عليه في الآخرة. ومَن احتمل ألم الصبر، نال رضا الله تعالى وجنانه.وغالباً ما تأتي المكافآت الكبيرة عقب الصبر العظيم وتحمّلِ المصيبة والابتلاء، تقول الآية الكريمة: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}( الزمر: 10)
وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية» (السيوطي، 2، 42؛ الديلمي، 2، 416)
ويخبرنا عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى يقول:
«ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (البخاري، الرقاق، 6/ 6424)
«إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة» (البخاري، المرضى، 7/ 5653؛ الترمذي، الزهد، 587)
الصبر من أهم مبادئ ديننا، وامتحان الصبر من أصعب الاختبارات، ولذا يقول أبو بكر رضي الله عنه: «إن التنعم بالعافية أفضل عندي من التعرض للامتحان والصبر عليه».
لقد كانت حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم من أولها إلى آخرها مليئة بأروع نماذج الصبر، فقد واجه سيدنا عليه الصلاة والسلام معاناة كثيرة، وذاق كل أنواع المحن والضيق منذ ولادته إلى حين وفاته، حيث فقد والده قبل ولادته، وحُرِمَ من أمه في السادسة من عمره، ومات جده لما كان في الثامنة من عمره، وعمه أبا طالب الذي كان يحميه في السنة العاشرة من بعثته، وبعد ثلاثة أيام زوجته الحبيبة خديجة رضي الله عنها والتي كانت أكبر سند له في دعوته، وفي غزوة أحد استشهد عمه حمزة سيد الشهداء، وفقد ستة من أولاده السبعة وكثيرا من أحفاده، بعضهم في سنّ صغيرة والبعض الآخر في سنّ البلوغ إذ أرسلهم واحداً تلو الآخر إلى ربه تعالى، وقد دفن بيديه الكثير من أصحابه الذين يكنّ لهم الحب الكبير، وتعرّض لأنواع التعذيب والشتائم والافتراءات، إلى جانب الجوع والفقر، وأصيب بالجراح في المعارك، وابتلي بالأمراض المحمومة، إلا أنه لم تفسد أيٌّ منها متانته وتوازنه، بل كان مثالاً على الصبر والرضا في كل حال.
ويا ترى كم منَّا وارى الثرى ستة من أولاده؟ وكم منا لفظ أولادُه وأحفادُه أنفاسَهم الأخيرة وماتوا بين يديه؟ وهل من أحد مُزِّقَ بدن عمّه النحيل ومضغت رئته؟
وباختصار هل من أحد ابتلي بأشد مما ابتلي به النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أظهر قوة على الصبر ورضى بما قدره الله له كما صبر ورضي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبلِّغ الإسلام في الأسواق التي كانت تقام في مواسم الحج في عصر الجاهلية، فكان يتعرّض حينها للكثير من المحن والمشاق والإيذاء، وهو يقابل جميعها بالصبر ولا يُظهر أي شكوى، وفي إحدى المرات أتى إلى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى اللَّه، وعرض عليهم نفسه، فقال بحيرة بن فراس (رجل منهم): والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، (ثم قام بحيرة) فغمز شاكلة ناقة النبي صلّى الله عليه وسلّم ، فقمصَت بالنبي صلّى الله عليه وسلّم فألقته، وعندنا يومئذ ضباعة بِنْت قُرط كانت من النسوة اللاتي أسلمن بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمَكَّة، جاءت زائرة إلى بني عمها فقالت: يا آل عامر ولا عامر لي أيسمع هذا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أظهركم، لا يمنعه أحد منكم؟! فقام ثلاثة من بني عمها إلى بحيرة فأخذ كل رجل منهم رجلاً فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره، ثم علقوا وجهه لطماً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم بارك على هؤلاء»، فأسلموا وقتلوا شهداء. (ابن حجر، الإصابة، 4، 353)
ويذكر لنا طارق بن عبد الله المحاربيّ ما شاهده من تحمل النبي عليه الصلاة والسلام في سبيل تبليغ الإسلام والمشاق التي واجهها بالرضا والصبر، فيقول: «إني بسوق ذي المجَاز، إذ أنا بإنسان يقول: يا أيها الناس، قولُوا لا إلٰه إلاّ الله تُفْلِحُوا، وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس، إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت: مَنْ هذا؟ فقالوا: محمد، زعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب» (الدارقطني، السنن، بيروت 1986، 3، 44 ـ 45)
ووفق ما يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرّ النبي صلّى الله عليه وسلّم بامرأة تبكي عند قبر، فقال:
«اتقي الله واصبري» قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي عليه الصلاة والسلام، فأتت باب النبي عليه الصلاة والسلام فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (البخاري، الجنائز، 32/ 1283)
ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكاً شديداً؟ قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قلت: ذلك بأن لك أجرين؟ قال:
«أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» (البخاري، المرضى، 3، 13، 16/ 5648؛ مسلم، البر، 45/ 2571)
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كأني أنظر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، الجهاد، 104)
وكم هي معبرة هذه الحادثة التي ترينا أن جزاء الصبر الجنة:
فعن عطاء بن أبى رباح، قال: قال لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟
قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال:
«إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»
فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. (البخاري، المرضى، 6/ 5652؛ مسلم، البر، 5/ 2576)
هذه هي قيمة الصبر عند الحق تعالى على البلاء النازل بالمرء...
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الحديث: كنت في جماعة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، -لعدم وجود ثوب يستر بدنه كله، مستفيدين من ظلال الغير- وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع كتاب الله، فجاء النبي حتى قام علينا فلما رآه القارئ سكت، قال فسلم ثم قال: «ما كنتم تصنعون؟». قلنا يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا وكنا نستمع إلى قراءته، فقال النبي: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم»
وبقول النبي عليه الصلاة والسلام هذا إشارة إلى الآية الكريمة:
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ...} (الكهف، 28)
فقد أمر الله تعالى بهذه الآية رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يصبر مع الفقراء والمحتاجين من أول الداخلين في الإسلام على المشاق التي قد تصيبهم، وأن يكون لطيفاً في معاملتهم للغاية...ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا، ثم قال بيده هكذا فحلق القوم (صنعوا حلقة) وبرزت وجوههم، قال فما رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام عرف منهم أحدا غيري، أن أصبر نفسى معهم، يشير إلى قوله في سورة الكـهف:
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}
ثم قال عليه الصلاة والسلام:
«أبشروا يا معشر صعاليك (فقراء) المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذاك خمسمائة سنة» (أبو داوود، العلم، 13/ 3666)
وهذا هو جزاء الفقراء ذوو الصبر...
قال سيدنا فضالة بن عبيد: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة حتى تقول الأعراب هؤلاء مجانين أو مجانون، فإذا صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انصرف إليهم، فقال:
«لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة»
قال فضالة: وأنا يومئذ مع رسول الله عليه الصلاة والسلام . (الترمذي، الزهد، 39/ 2368 7)
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته» (البخاري، الصلاة، 58)
وكما هو واضح فإن الصحابة الكرام -ومن خلال إظهارهم التحمّل بالصبر على شتى أنواع المشاق كالجوع والفقر والحرب والمصيبة- كانوا وسيلة لوصول الإسلام إلى يومنا هذا، وعلينا نحن بدورنا نقل ما على عاتقنا من الأمانة المقدسة للأجيال القادمة بكل اعتناء باتباعنا واقتفائنا لهم.
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال:
«نزل الإسلام بالكره والشدة، فوجدنا خير الخير في الكراهة، فخرجنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام من مكة، فجعل لنا في ذلك العلاء والظفر، وخرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر على الحال التي ذكر الله تبارك وتعالى:
{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ في الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (الأنفال:5 ـ 7)
والشوكة قريش فجعل الله لنا في ذلك العلاء والظفر فوجدنا خير الخير في الكره» (الهيثمي، 7، 26 ـ 27)
وكلمات محمد إقبال التمثيلية فيما يلي تفيد فضيلة وإظهار الصبر والتحمّل على المصاعب حيث يقول: «كان ثمة غزال يشتكي لغزال آخر قائلاً: سأعيش بعد الآن في الكعبة والحرم، أنام وأصحو هناك، وأرعى، لأن الصيادين قد وضعوا الأفخاخ في السهول، يتجولون متعقبين آثار الغزلان ليلاً ونهاراً، وإني أريد أن أتخلص من همِّ الصياد بعد الآن، وليجد قلبي السكينة والطمأنينة!..»
وأما الغزال الآخر الذي كان يستمع لهذا فقد رد عليه: «يا صديقي العاقل! إن كنت تريد العيش فعش داخل الخطر، واضرب نفسك بحجر الشحذ على الدوام، وعش أَحَدَّ من السيف نظيف الجوهر! فإن كلاً من الخطر والقوة يمتحن القدرة، فإن ذلك هو ما يعلمنا ما هي قادرة عليه الأجسام والأنفس».
ويقول بعد أن واراه التراب: «إنا قوم نسأل الله تعالى ما نحب فيمنْ نحب فيعطينا، فإذا أنزل ما نكره فيمنْ نحبُّ رضينا»
ما أشد الابتلاء هنا! وما أعظم الصبر! ثم ما أرقى الرضا! وما أتم التسليم! إنه ابتلاء يناسب سمو المقام وعلو المرحلة، وهي حقيقة وناموس كوني، فكلما ارتقى المرء في الدرجات زادت وقست عليه الابتلاءات، وهو ما عبر عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث التالي:
وخلاصة القول فإن الصبر كنز ثمين في أعماق الإنسان، وأمتن درع أمام البلاء والمصائب، وخصلة عليّة أرضت الله تعالى وتستلزم مكافآته الكبيرة التي وعد بها، وهي ببيان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تضيء دنيا الإنسان وعقباه في آخرها بقوله:
«...الصبر ضياء...» (مسلم، الطهارة، 1/ 2237)
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 45، 1/2025