نهضة الأمم وِفق المنهج القرآني
أوضح «ابن خلدون» في كتابه "المقدمة" الذي له ماهية كلاسيكية بين المؤلفات الإسلامية، القوى المادية للأمم والأسس المعنوية لها كالإيمان والأخلاق، وحللها بشكل مفصل. وأثبت «ابن خلدون» بمهارة كبيرة أن العوامل المعنوية هي التي تشكل الصف الأول بخصوص طول أو قصر الفترة الزمنية للدولة، أي الفترة بين ظهورها وحتى انهيارها. وعند مطالعة الأمر وتقييمه بشكل محايد سنجد أنه من اليسير مشاهدة أهمية الدور الذي لعبته العوامل المعنوية في حياة الأمم أو انهيارها.
إن الأمم تعمل على استمرار حياتها على ساحة التاريخ من خلال عناصر الدين واللغة والمشاعر التاريخية. والغاية من الدين والخلقة والفطرة هي أنها تمثل مجموعة قوانين إلهية أعدت لتنظيم الحياة بين الحياة والموت، لتكون وسيلة لسعادة العبد في الدنيا والآخرة.
فاللغة وسيلة للتعبير عن الحق والحقيقة، أما التاريخ فهو الشعلة التي تضيء للأمم طريق المستقبل بتحليل وتثبيت أسباب الأحداث، التي عاشتها الإنسانية في إطار هذين العنصرين، وتحليل نتائجها.
ولهذا وضعنا نصب أعيننا أن هذه العناصر لا يمكن أن تنفصل عن بعضها البعض، فاجتهدنا هنا أن نعرض لقرائنا المحترمين مجموعة من العِبَر والحِكَم من خلال الشخصيات، التي هي بمثابة النصب التذكاري في تاريخنا.
إن مجرد ترميم الآثار المادية لأجدادنا وهي أصبحت أطلالاً، ليس كافيًا لجعلنا جديرين بأن نكون أصحاب هذا الميراث الديني واللغوي والثقافي، الذي تركه أجدادنا لنا كأمانة مقدسة. بل علينا أن نعمل على إحياء هذه الحضارة وهذه الروح، ونقلها إلى الأجيال القادمة. فإنَّ لغتنا التي كانت أساس الحضارة العثمانية عُقِمت وخُرِّبَتْ، لكي يجردونا من الثقافة الإسلامية، نعم إنهم جعلوها عقيمة بشكل لا تتيح فرصة التمكن من التفكير الجدي.
وإذا لم نعمل على إنقاذ لغتنا فإنه لا يمكننا إنقاذ هذه الأمة من هذه النزاعات المختلفة الكثيرة المسلطة على رؤوسنا؛ لأن الناس يفكرون بالكلمات، ولا يمكن أصلاً الانفتاح على أفق الفكر الإسلامي المتعمق بلغة متخبطة وناقصة في مفهومها وكلماتها التي تعبر عنها.
وإذا لم نَفعل ذلك، فلا يمكن ظهور ذلك الفكر الذي هو الدافع الأصلي للحركات، ولا يمكن وصوله إلى مرتبة جادة، ولهذا لم نلتفت ولم نهتم أصلاً فيما نكتبه بِتلك اللغة المزوّرة التي تقدم مفهومًا مخالفًا لطباعنا وثقافتنا ومشاعرنا القومية.
ومن ناحية أخرى يجب علينا معرفة تاريخنا بهويـّـته الحقيقية، وإلا فإننا لن نتمكن أبدًا من تقديم تلك الحضارة العالمية بشكل صحيح. وذلك بسبب الأعمال، التي كتبها المؤرخون المحليون من أصحاب النوايا السيئة، والمؤرخون الأجانب الذين عُرِفُوا بعداوتهم للإسلام، ولا يمكننا معرفة ماضينا بالشكل اللائق وتقويم مستقبلنا من خلاله.
ولهذا فإن اغتنام ميراثنا التاريخي الذي تركه أجدادنا المشرفون، وجعل هذا الميراث ينعكس على إدراك وشعور أبسط فرد في أمتنا لَيُعَد وظيفة دينية وقومية.
والتاريخ يشهد على أن الأمم والأفراد ينظّمون حياتهم في ضوء التجارب التي عاشوها، والتاريخ هو ذاكرة الأمة، ونتاج التجارب القومية. ولهذا فإنه كما أن الفرد لا يستطيع العيش بدون تلك التجارب التي عايشها، فإن الأمم أيضًا دائمًا تحتاج إلى إيقاظ وإرشاد الأحداث التاريخية السابقة.
إن الصعود والهبوط في أقداَر الأمم، إنما يعني مجموعة متراكمة من التجارب، التي ستنقل إلى مستقبلها. ومقارنة أسباب ونتائج تلك التجارب القديمة بشكل سليم مع الأحداث الجديدة، تضيء المستقبل للأمم.
و إذا تعرفت الأمم على تاريخها الحقيقي وعلى مرشدها المادي والمعنوي وقدّرهما حق تقدير، فإنها تكون بذلك الأمة المتحضرة العظيمة. وإذا الأجيال الجديدة تعرفوا على تاريخهم بشكل أفضل من تواريخ الآخرين، واعتبروا بالماضي فلا داعي للقلق حينئذ من المستقبل. وإذا تربى ونشأ جيل يعرض عن تاريخه، لا يتعرف على مرشده المادي والمعنوي، وتغرّب من داخله، وأصبح وارثًا منكرًا لجميل هذا الميراث العظيم، ويخوّن أبطال ماضيه، ويجعل الخونة أبطالاً، فإن هذا – بلا شك- سيجعل المستقبل مظلمًا كئيبًا. لأن مستقبل من لا يستندون إلى الماضي، لا يكون آمنًا أبدًا، ولهذا يجب أن تمتد جذورنا إلى الماضي، وفروعنا إلى المستقبل.
ومن الخطأ الكبير فهم علم التاريخ على أنه مجموعة مجردة من الوقائع الجافة، بل على النقيض من هذا، فعلم التاريخ علم مبارك يوضح الأرضية الأصلية للصواب والخطأ والحق والباطل في حياة المجتمعات الممتلئة بالمفاجآت والمغامرات.
علينا أن نتعرف على تلك الأرضية بشكل سليم وأن نستخرج منها العِبر والدروس اللازمة حتى نستطيع تنظيم حال المجتمعات أكمل التنظيم ونقارن بين الأسباب والنتائج التي يضعها التاريخ أمامنا.
ولهذا فإن كتابنا العظيم القرآن الكريم نقل للإنسانية العِبر والحكم من الأحداث المختلفة الإيجابية أو الأحداث السلبية التي عاشتها المجتمعات الماضية.
ومن ذلك، على سبيل المثال، أخبرنا القرآن بأن الأمم الظالمة التي عصت الله تعالى تعرضت للقهر الإلهي وبعدها اختفت في سلة مهملات التاريخ بعاقبة محزنة، يقول سبحانه وتعالى:
{فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ} (الزخرف، 56)
وفي مقابل هذا أخطرنا القرآن الكريم بأن الأمم التي لم تبتعد عن الهداية الإلهية وثبتت على الدين المبين ورفعت راية التوحيد، وحملتها إلى جهات الدنيا الأربعة، أورثها الله الأرض، يقول الله تعالى:
{...أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء، 105)
وهذا أيضًا يُظهر لنا أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المنهج القرآني، الذي يُشخص لنا تصرفات السابقين صحيحة كانت أم خاطئة، ويُسهّل لنا الاستفادة منها.
إن التاريخ يعتمد على الأرشيف، وأثناء عمل المراجعات الجديدة للوثائق الخاصة بحضارة عظيمة كالحضارة العثمانية، سيتضح تدريجيًّا أن لا قيمة قط لتلك الاتهامات الجاهلة الظالمة التي نُسبت إلى هذه الحضارة أو نُقلت عنها.
إن الأمم الغنية بتاريخها، العظيمةَ بحضارتها أممٌ عظيمة. وحتى إن أقيمت اليوم العديد من الآثار الحضارية، فإن «جامع السليمانية» سيظل أثرًا عظيمًا ووقورًا. وهنا توجد حقيقة يجب الإشارة إليها، وهي أن أكثر الأماكن التي يرغب السياح في زيارتها، ويأتون إليها، ويظلون ينظرون إليها بإعجاب، ويرتاحون لها روحيًا، إنما هي الآثار العثمانية.
إن الباحثين المحليين والأجانب على السواء يعملون على النهل من فهم وذكاء هذه الدولة العالمية، ويبذلون جهودهم من أجل الاستفادة منها، ويسعون لأخذ نصيب مما تعلموه منها. ولهذا فإن دور الأرشيف لدينا يمتلئ بالباحثين ورجال العلم الأجانب أكثر من المحليين. ولهذا نحن مضطرون لأن نعرّف الأجيال الجديدة، ونحن في أوائل القرن الواحد والعشرين، بحضارتنا وثقافتنا المتسمة بالرفعة والشرف، وبالبنية المعنوية التي عملت على إيجاد تلك الحضارة، والتالي علينا أن نسير على هذا الطريق العظيم الفاخر.
وقد أُمرنا في القرآن الكريم بأن ننفق مما نحب حتى يكتمل إيماننا، ونتمكن من الوصول إلى الرضا الإلهي. وهناك الكثير من الحكم في هذا الشأن، يمكن إيضاح أهمها فيما يلي:
إن المال والروح أهم وأغلى ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا. ويمكن بإنفاقهما في سبيل الله شراء الجنة، والحصول على رضا الله سبحانه وتعالى. ولذا لا يمكن نشأة شخصيات خالدة كالنصب التذكاري وكذلك نشأة إنسان الوقف من هؤلاء الذين يَنذُرون أنفسهم لله إلا بإنفاق هاتين الثروتين الثمينتين. وهذه مسألة مهمة للغاية.
وذلك لأن الفرق الوحيد بين الأمم الحاكمة والأمم المحكومة هو الفرق في رجال الوقف أي في تلك الحفنة من البشر الذين أسهموا بأموالهم وأرواحهم في سبيل الله والمجتمع.
وبهذا فلا يمكن استمرار طمأنينة المجتمعات وسكينتها إلا باستمرار حياة رجال الوقف المذكورين وشأن ورفعة المجتمعات أيضاً يكون بقدر أعمار رجال الوقف المذكورين. ونحن اليوم في أمسّ الحاجة أكثر من أي وقت مضى، لأن نَنزِل إلى الأعماق الروحية للقلوب الممتلئة بالوجد والإيمان لهؤلاء الرجال، والشعور بهم وفهمهم، وأخذ نصيب من بنية قلوبهم. ما أحوجنا أيضًا في هذا اليوم، الذي تعيش فيه الإنسانية شهوة القوة وسلطة النفس، إلى رجال مخلصين قدموا أنفسهم وقلوبهم وحياتهم في سبيل الله سبحانه وتعالى من أمثال «الغازي عثمان» ونسله...ومن الضروري لنا أن نغوص إلى أعماق أرواحنا بالأنوار المعنوية، وأن نصل اليوم من جديد إلى تلك البنية.
ويأتي على رأس رجال الوقف الأنبياءُ والصحابة والأولياء ومنْ تربوا على أيديهم. فهم قد حملوا إلى جميع أنحاء العالم بسرعة فائقة الحماسَ الإيماني الموجود في قلوبهم. وهم الذين خطوا أجمل صفحات التاريخ الذهبية.
إن المؤسس الأصلي للدولة العثمانية هو«الشيخ أدبالي» من خواص أولياء الله.
وبه لحقت الإنسانية بالطمأنينة والسكينة التي كانت تبحث عنها، وتم توجيه سلاطين العالم طوال الفترة التي استمرت فيها سلسلة «أدبالي».
ولهذ علينا أن نشاهد عن قربٍ عشقَ ووجد سلاطين الظاهر والباطن الذين تربوا على يد أدبالي وسلسته، ونعيش هذا الشعور من جديد ونُقوّم أنفسنا من خلاله.
إن الدولة العثمانية التي كتبت أعظم صفحات التاريخ الإسلامي بعد عصر الصحابة الكرام، كانت دولة تتميز بحب شعبها الشديد لرسول الله عليه الصلاة والسلام بدءًا من السلطان وحتى الراعي.
لقد وجّه السلاطين العثمانيون الذين حكموا الدولة العثمانية مظاهر الاحترام ورعاية الأدب للرسول عليه الصلاة والسلام حتى ظهرت عادات وآداب معينة عند كل فرد في الدولة. ومنها؛ أنهم كانوا يضعون أياديهم اليمنى على قلوبهم ويصلّون على النبي في كل مرة يذكر فيه اسمه وعند سماعهم توشيح المولد الشريف كانوا يقفون احترامًا وتبجيلاً عندما يرد البيت الذي يذكر ولادته عليه الصلاة والسلام وعندما كانت ترد الرسائل من المدينة المنورة إلى إستانبول كان السلاطين لا يقرؤون الرسالة إلا بعد تجديد الوضوء وتقبيل الأوراق والنهوض وقوفًا أمامها، ولا يوجد سلطان عثماني واحد أخل بهذه القاعدة.
لقد كان العثمانيون الذين يعملون هناك أثناء ترميم المسجد النبوي يتوضؤون قبل وضع أي حجر، ولا يضعونه إلا بالبسملة، كما أنهم كانوا يربطون قطع قماش على مطارقهم تأدبًا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام وذلك حتى لا يزعجوا روحانية رسول الله أثناء طرقهم. وهذه بالطبع كلها نماذج على التأدب ورعاية الاحترام لم ير التاريخ مثلها من قبل.
وموكب الصرة الهمايونية الذي كان يتجه من إستانبول إلى المدينة المنورة، كان يحط رحاله في المنازل القريبة من المدينة قبل الدخول إليها، وكانوا يستعدون للمناخ المعنوي للمدينة ويقتربون إلى مقام رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد الاستخارة بإشارة معنوية، ثم يزورنه عليه الصلاة والسلام بأدب، ويجلبون معهم أثناء عودتهم مقدارًا من تراب المدينة إلى بلداتهم تبركًا وشفاءً.
ويا تُرى من يعلم ربما أن هذا الريش الموجود على جانب الطرة التي كانت تزين العمامة في صور السلاطين العثمانيين، إنما هي رمز مكنسة. وبهذا كان السلاطين العثمانيون يعتبرون أنفسهم عاملي النظافة في الحرمين الشريفين. وكانت رواتب عمال النظافة في الحرمين تُصرف من ثروات السلاطين الخاصة.
ويتضح لنا مما ذكرنا من حبّهم وخصائصهم السامية أن الكلمات الأخيرة لـ«عثمان الغازي» التي قال فيها:
«إن غايتنا ليس الحكم لمجرد الحكم، وإنما هي إعلاء كلمة الله» إنما كانت دليلاً ونبراسًا لكل السلاطين من بعده، وقد أبدوا حساسية ورعاية تاريخية في سبيل عدم البعد عن تلك الوصية.
لقد كان العثمانيون دائمًا يقفون بجانب المظلوم، وحملوا للبلدان التي فتحوها الإنسانية وأجمل الخدمات، حتى النصارى الذين كانوا يعيشون في البلدان التي فتحها العثمانيون لم يكن بينهم عريان أو جائع. وعمل العثمانيون على حماية الأرامل، وضمنوا لهم المأكل والمشرب والمأوى. لقد اجتمعت هِمَم السلاطين العثمانيين على فكرة «نظام العالم»، وجعلوا وجود الدولة مستقرًّا على فكرة «الحكم على العالم بالأسس الإنسانية والإسلامية».
وهـذا التعبير الذي عبر فيه "نوتراس" المسيحي البيزنطي النبيل عن عهد الفاتح قبلِ فتح إستانبول من أجمل الأمثلة على عدالة الإسلام وسماحته الحقيقية، لقد قال:
«لأن أرى العمامة التركية في إستانبول خير لي من أن أرى قبعة الكاردينال».
لَكَمْ نحن محتاجون في تلك الأيام إلى هذا السمو، وهذه المثالية وهذه الأخلاق، وهذا الحب الذي يدل على عمق الإيمان. وما أحوجنا اليوم إلى هذا العشق والأخلاق الفاضلة وإلى هذه الهمة العالية التي أخرجت سلطاناً مثل «السلطان القانوني» الذي حكم لمدة نصف قرن إلى الجهاد وهو شيخ هرم مريض؟! وأن نفكر في حال «السلطان عبد الحميد الأول» الذي لم يتحمل خبر خروج قلعة أوزي من يد الدولة العثمانية وتوفي حسبة. فما أشد هذه الحرارة الإيمانية التي ملأت قلبه بالألم والآهات وتسببت في موته وهو يقول: «تمزق أبنائنا الجنود والأهالي المعصومون».
يجب تحليل الشخصيات والوقائع بشكل سليم كي نتمكن من الشعور عن قرب بتلك الحقائق، وحتى يمكن الإحساس بالمعاناة، والعيش بالمشاعر التاريخية، والتعرف على الإقليم المعنوي الذي أعطاهم ذلك الوجود.
فلا بُدَّ أن نقرأ ونكتب الكتب في هذا الشأن لكي نجعل كل ذكريات أجدادنا حية في القلوب، ونجعل الحماس المعنوي وخاصة حب رسول الله عليه الصلاة والسلام متجددة دائمًا.
وإظهار البطولات والخدمات الممتلئة بالمحبة والشفقة والرحمة، التي قام بها الكثير من رجال القلب والوقف، الذين كانوا نموذجًا للمحبة، وشرفًا للتاريخ، وأسطورة للإنسانية، كما علينا إظهار أفعالهم ونصائحهم التي وجهت المجتمع، وسيرة حياتهم التي تركوها لنا كذكرى عزيزة والتي تحمل الكثير من العبر والحكم.
وقد أظهروا هؤلاء الرجال العظام للعالم كله أن الأمة كما أنها احتلت القمة في تأسيس الدولة من الناحية العسكرية، كانت أيضًا صاحبة مكانة متميزة في العلم والفن والخط والأخلاق والعرفان. وقدموا في أجمل صورةٍ تلك الخصائص المادية والمعنوية التي جعلتهم أمة سجلت الملاحم في كل ساحة من الساحات.
لقد استلهمت الدولة العثمانية، وخاصة في القرون الثلاثة الأولى لها، الصدقَ والإيمانَ من الخليفة «أبي بكر»، والشجاعة والعدالة من الخليفة «عمر»، والحياء والحب والوجد من الخليفة «عثمان»، والعلم والعرفان والإقدام من الخليفة «علي» -رضي الله عنهم - أجمعين. لقد كانوا بمثابة المصباح الذي أضاء طريق إعلاء كلمة الله التي أحاطت بالعالم أجمع.
ولم تأت أمة في التاريخ بسلسلة من السلاطين العالميين من الدهاة يلي بعضهم بعضًا لمدة ثلاثة قرون متواصلة، ولم تُؤسّس دولة في التاريخ قط كانت شعلة للإنسانية والحق والحقوق، وكانت أطول عمرًا مثل الدولة العثمانية. ويكفي أن نذكر بأن الدولة التي أسسها "عثمان الغازي" قد استمرت 623 عامًا، كَشَاهِد على تلك الحقيقة.
لقد نمت تلك النواة الصغيرة لتلك الدولة المشرّفة بأربعمائة فارس، حتى أصبحت شجرة صنوبر ضخمة، وأصبحت فروعها تظلل القارات الثلاث، وعاشت ستمائة سنة بعزة وشرف، ثم خلفت بعدها مجموعة من الدويلات اليتيمة. وتسترت في ضريح مشرّف في المقبرة المسماة بالتاريخ. ووظيفتنا الآن هي أن نكون خدامًا لهذا الضريح كما ينبغي....
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 40، 5/2023