من حِكَم أولياء الله  جعفر الصادق -رحمه الله- 6

يقول جعفر الصادق رحمه الله:

«من يجاهد غيره عن نفسه ينال كرامته، ومن يجاهد نفسه لله تعالى يصل إلى الله سبحانه وتعالى »

المجاهدة هي: تربية النفس ببعض المشاق التي لا تحبها، ولا تطلبها، وبهذه الصورة تقتضي المجاهدة مقاومة رغبات وأهواء النفس الملحة من أجل تحضير الأرضية اللازمة لانكشاف الإشراقات الروحية.

إن غاية السلوك والسير في رحلة التكامل المعنوي ليست الوصول إلى بعض الحالات الخارقة والتي هي فوق الحالات المعتادة، وإنما الغاية هي الوصول إلى قلب سليم مرضٍ لله سبحانه وتعالى. وإلا فإن فقراء الهند بإمكانهم اكتساب بعض الطاقات والقوى الروحية عن طريق اتباع جملة من المبادئ وأساليب التقشف.

فنتيجة لتطبيق بعض التمارين الروحية، والمجاهدة، والرياضات التأملية في سبيل التربية المعنوية، قد تظهر جملة من الانكشافات والطلوعات والمظاهر في القلب، وإن هذه الأمور ليست المقصود الأصلي للتربية المعنوية، وإنما هي تجليات للامتحان الذي لا يمكن تجاوزه، فهذه التجليات بمثابة المراحل التي تظهر نتيجة  الصعود على الدرجات الأولى في سبيل تحقيق الانكشافات الروحية.

وفي الحقيقة، فإن الانكشافات الروحية لا تتحقق من دون تحييد الرغبات والشهوات النفسية. فلا يمكن حث الخطى والسير في طريق الصفاء واللطافة ضمن ضباب كثيف من الأنانية، والكبر، والغرور، ولا يمكن الصعود إلى قمم الصفاء الروحي بقلب جلف غير ناضج، ومن أجل ذلك يقول السيد حسن حركاني:

«كما أن أداء الصلاة، والصيام من الفرائض، فكذلك تطهير القلب وتنقيته من الكبر، والحسد، والطمع "وما شابهها من الأعراض النفسية" تعتبر من الضروريات» (فريد الدين عطار: تذكرة الأولياء، ص. 629)

وإن غاية خلق الإنسان في نظر العباد العارفين هي: "السير بالكمال الكسبي نحو الوصول إلى الجمال الرباني" أي بذل الجهد للوصول إلى حالة شهود الجمال الإلهي عن طريق التربية والنضوج المعنوي والروحي.

وإن الاهتمام الزائد عن حده بتجليات مثل الكرامات، والكشوفات، والإلهام يبعد المرء عن غايته الأساسية، أي يجعله محروماً من وصل الحق سبحانه وتعالى. فالذي ينسى هدفه الأصلي لا يمكنه الوصول إلى منزله. وإن هذا الأمر غفلة كغفلة الذي ينشغل بالرزق عن الرزاق. فالاعتقاد بأن المساكن العابرة في الطريق هي الوطن الأساسي حماقة كبرى.

ومن جهة أخرى، فإن وصول القلب إلى حالة من الإشباع النوعي بتجليات مثل الكرامات والكشوف إشارة إلى ضعف وضيق الأفق والاستيعاب المعنوي والروحي لدى الشخص.

أما أصحاب الحق فإن هممهم عالية، أي أنهم أشخاص يتمتعون بأفق وقابلية معنوية مرتفعة، وإن تلك الأرواح الطاهرة لا تنشغل بأي من التجليات عن وصل الحق سبحانه وتعالى، ولذلك فإنهم حتى لو نالوا تجليات مثل الكشوف، والكرامات إلا أنهم لا يخمدون ويستسلمون لهذا النوع من الجاذبات، ولكن على العكس من ذلك، فإنهم يتابعون عبوديتهم بهمة عالية إلى آخر نفس في حياتهم.

لقد ثبتت أفضلية سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وخيريته على سائر الناس في روايات كثيرة من بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم ، ولم ترد بحقه روايات تشير إلى كرامات مادية أو ظاهرية جرت على يديه، ولكن كرامته الكبرى كانت صحبته وصداقته التي لا مثيل لها مع النبي عليه الصلاة والسلام، وطاعته وتسليمه الاستثنائي للنبي صلّى الله عليه وسلّم في كل الأمور.

فأصحاب الحق يعيشون حياتهم دائماً بحساسية القول: "أحتاج إلى الكريم، ولا أحتاج إلى الكرامة". وإن كرامتهم الحقيقية هي رعاية أمر الله القائل:  {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ...} (هود: 112) ، والعيش في حياتهم وفق المنهج  والاستقامة التي يرسمها القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة.

يقول جعفر الصادق رحمه الله تعالى: «الذِكر الحقيقي، هو نسيان كل شيء أثناء ذكر الحق ما سواه. وعندها يكون الله تعالى بدل كل شيء بالنسبة للعبد الذاكر» (فريد الدين عطار: تذكرة الأولياء، ص. 56)

الذِكر، هو عدم نسيان الله تعالى وتذكره بكل وسيلة، وإن التعبير الكامل عن الذكر، مرتبط باشتراك القلب واللسان معاً في انسجام تام بذكر الله تعالى.

وحسب مفهوم المخالفة، فإن الذكر بقلب غافل ينقص من أهميته وقيمته. وخلال الذكر ينبغي قطع صلة القلب بكل شيء من شأنه إبعاده عن الله تعالى، وإنشغاله  بشكل تام بالتفكير في المعاني التي تحملها كلمات الذكر.

حيث يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّمَا الْمؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...} (الانفال: 2)

وهكذا فإن المؤمنين الذين يستسلمون بكليتهم لذكر الله تعالى، ينالون من الألطاف الإلهية ويصيبهم الخير الكثير مادياً ومعنوياً.

حيث يقول الله سبحانه وتعالى  في آية أخرى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ...} (البقرة: 152)

وفي حديث قدسي يقول الله سبحانه وتعالى:

«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (البخاري: التوحيد، 15)

ومما لا شك فيه أن ذكر الله تعالى لنا أفضل من ذكرنا له بكثير، ولا يمكن المقارنة بين الذكرين بحال من الأحوال، فلكي نكون ممن ينالون هذا الخير الوفير، والتشرف بالقرب من الخالق سبحانه وتعالى ، ينبغي علينا بذل جهد كبير بالتفاني بذكر الله تعالى وترك التفكير بكل ما سواه، مع انسجام تام بين قلوبنا وألسنتنا.

ومن جانب آخر، فإن نور الذكر يكون بحسب حال الذاكر، بمعنى حتى نكون ممن يُتقبل ذكرهم علينا إلى جانب الذكر القيام بإصلاح حالنا، وذلك بالابتعاد عن الحرام والشبهات أولاً، ومن ثم تطهير قلوبنا وحفظها من الانشغال بمحبة الفانين، وترك التفكير بما سوى الخالق الحق سبحانه وتعالى.

ويجب أن لا يغيب عن بالنا بأننا بقدر إكثارنا من الذكر بمعناه الحقيقي لربنا سبحانه وتعالى في حياتنا الدنيا هذه، سوف نكون ممن ينالون الوصل الإلهي بنسبة ذكرنا في دار العقبى، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (الحشر: 19)

يقول جعفر الصادق رحمه الله تعالى: «لا خير فيمن لا يحب جمع المال لخلال، يصون به وجهه، ويقضي به دينه، ويصل به رحمه» (ابن شمس الخليفة: الآداب النافعة، ص. 4)

إن من أهم أحد دساتير الأخلاق الإسلامية هو " كن معيناً، ولا تكن عبءً ". أي لا ينبغي للإنسان الاتكال على الغير وتشكيل حمل ثقيل على عاتقه، وإنما العكس هو المطلوب، إذ ينبغي تقديم العون للآخرين والتخفيف من أعبائهم.

وفي حديث قال النبي عليه الصلاة والسلام مرة:

«على كل مسلم صدقة»،  قال الصحابة الكرام:  أرأيت إن لم يجد؟، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق»،  قال الصحابة الكرام:  أرأيت إن لم يستطع؟،  فقال النبي عليه الصلاة والسلام:  «يعين ذا الحاجة الملهوف»،  قال الصحابة y: أرأيت إن لم يستطع؟،  فقال النبي عليه الصلاة والسلام:  «يأمر بالمعروف أو الخير»، قال الصحابة الكرام:  أرأيت إن لم يفعل؟،  فقال عليه الصلاة والسلام: «يمسك عن الشر. فإنها صدقة» (البخاري: الزكاة، 30، الادب، 33)

فالنبي عليه الصلاة والسلام يشير إلى أن المؤمن يبذل جهده في سائر أحواله، وبكل إمكاناته، بماله ونفسه، وعمله في سبيل عمل الخير، أو على الأقل يجهد لأن يكون وسيلة لعمل الخير. ولأن الله تعالى يقول عن المؤمنين:

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} (آل عمران: 134)

ولذلك فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد حث الصحابة y على الصدقات والإنفاق في سبيله حتى وإن كانوا يعانون من ضيق ذات اليد، فشجعهم على التصدق ولو بتمرة أو نصفها، إذ لم يحدد لهم الإنفاق بقدر معين.  وفي حديث آخر يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اليد العليا خير من اليد السفلى. واليد العليا المنفقة. والسفلى السائلة» (مسلم: الزكاة، 97)

وبالتالي فإن النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن كل مؤمن ينبغي أن يكون أهلاً للإنفاق، وحتى يكون أهلاً لذلك :"ينبغي أن يكون معطياً، لا آخذاً."

وخلاصة القول، إن ديننا الإسلامي الجليل يشجع الناس على الكسب والعمل بجدّ بالوسائل المشروعة والمباحة كلها، وإن من مقتضيات الركنين الأساسين من أركان الإسلام الخمسة (الحج) و(الزكاة) إن من مقتضياتهما أن الشخص المكلف بهما من الأغنياء. وهذا يعني أن الإسلام يقول لأتباعه: اغتنوا -صيروا أغنياء- عن طريق الأعمال المشروعة وضمن حدود حماية قلوبكم من الجشع والطمع الدنيوي، لكي تدفعوا الزكاة، وتؤدوا فريضة الحج.

وإن شعار المؤمن الصالح، هو العمل والكسب ومن ثم تقديم العون والمساعدة للمحيطين به، والبدء بعمل الخير وتقديم المساعدة لمن هو أقرب الناس إليه. حيث جاء في حديث شريف أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال:

من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟  قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟  قال: «ثم أبوك» (مسلم: البر، 2)

يقول جعفر الصادق رحمه الله تعالى:

«لا تصحبن قاطع رحم، فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله فيه ثلاثة مواضع» (أبو نعيم: الحلية، 3، 183- 184؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج. 41، ص. 409)

إن من الأمور الأساسية التي أولاها ديننا الإسلامي اهتماماً هي "صلة الرحم"، فحث المسلمين على المداومة في زيارة الأقارب، وأولي الأرحام، وضرورة العناية والاهتمام بهم، وتجنب قطع الصلة والعلاقات معهمن وقد اعتبر إهمال ذوي الأرحام وقطع الصلة معهم من كبائر الذنوب، والمعاصي المهلكة وذلك في كثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي وردت بشأن هذه المسألة.

وإن صلة الرحم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإيمان الإنسان المسلم، حيث يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم:

«... من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه!...» (البخاري: الأدب، 85؛ مسلم: الإيمان، 74-75)

وفي حديث آخر يبين لنا النبي صلّى الله عليه وسلّم مدى أهمية وحساسية مسألة صلة الرحم، إذ يقول:

«ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» (البخاري: الأدب،15)

وقال أيضاً: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم» (مسند أحمد: 2، 484)

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «لا يدخل الجنة قاطع» (البخاري: الأدب،11)

فصلة الرحم، بزيارة ذوي الأرحام، والسؤال عن أحوالهم، ومشاركتهم في الأفراح والأحزان تعتبر مسؤولية إيمانية ودينية في غاية الأهمية، حتى وإن بدرت منهم إساءة، أو قطيعة.

وإن الجانب الأهم في موضوع صلة الرحم الذي ينبغي التنبه إليه، هو ضرورة تقديم العون والمساعدة لهم إلى جانب صلتهم ومشاركتهم في الأمور المعنوية من أجل تخليصهم من عقاب الله يوم القيامة حيث العذاب المقيم الأبدي، لأن أفضل أعمال المرء الحسنة، هي الأعمال التي يقوم بها من أجل السلامة والسعادة الأبدية.

ولذلك يجب توجيه الأقارب وذوي الأرحام ودعوتهم إلى الالتزام بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتشجيعهم على عمل الخير والصالح، ووعظهم ونصحهم للابتعاد عن الخطايا والمعاصي التي يقترفونها وذلك باللين والحكمة. وإن من الأهمية بمكان وخاصة في أيامنا هذه حيث تنتشر عناصر الشر والفساد بشكل كبير، الالتفات إلى إيقاظ الناس وخاصة الأقربين من ذوي الأرحام لإيلاء أهمية كبيرة إلى التربية المعنوية والروحية، وفق منهج القرآن الكريم، إذ أن هذه الحالة هي علامة على محبتنا لله ورسوله.

ذات يوم سأل أحد الفقراء جعفر  الصادق رحمه الله تعالى: لم أنت  منهمك بالعمل ليل نهار؟

فأجابه جعفر رحمه الله:

«نظرت، فوجدت أن لا أحد يقوم بعملي مثلي، فقررت تأدية أعمالي بنفسي وألقيت الكسل جانباً. ووجدت أن رزقي يأتيني منذ أن خُلقت في هذه الحياة، فزال بذلك طمعي وبخلي. ووجدت أن الموت سوف يدركني ويتخطفني  يوماً ولن يموت أحد من أجلي. ولذا بدأت بتحضير نفسي للموت والاستعداد لمواجهته. فجاهدت نفسي للتوجه إلى الأعمال الصالحة التي سوف تخفف عني حقيقة الموت المفزعة.ولم أرى وفاءً في البشر. ففضلت وفاء الله تعالى بكل قلبي وروحي. وتركت ما سواه. لأن كل ذلك "ظل زائل" حيث أدركت أن كل ماسوا الله تعالى بحكم الظلال الفانية فأحجمت عن تعليق الأمل بها» (فريد الدين عطار: الرسالة الإلهية، إسطنبول 2010، ص. 121)

ويقول الله تعالى في كتابه الكريم:

{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}( النجم: 39)

{لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...} (البقرة: 286)

إذاً، فحسب موازين اليوم الآخر لو اجتمع العالم بأسره على أن يقدموا لإنسان نفعاً أو يصيبوه بضرر لن يقدروا، فلا أحد بإمكانه إنقاذ الإنسان الذي عصى أوامر الحق سبحانه وتعالى، وظلم نفسه في الحياة الدنيا، من عقاب الله تعالى يوم القيامة. فالذي بقي بعيداً عن الإيمان والأعمال الصالحة، ولم يقدم الخير لنفسه في سبيل الخلاص الأبدي، لا يمكنه نيل الخير من غيره.

وبناءً على ذلك، فليست هناك حماقة أدعى للحزن والأسى من الاعتماد على "الفانين" ورجاء الوفاء والعون منهم، ونسيان "الباقي الحق" والانغماس في الغفلة والشرود عن أوامره.

ومما يجدر عدم نسيانه، أن "الفانين" إنما وُجدوا بإرادة الحق سبحانه وتعالى، وبإرادته يتمكنون من الاستمرار في وجودهم. فكل الكائنات محتاجة إليه من البشر وغيره. وعلى ذلك فإن نسيان "الباقي" ورجاء المدد من "الفانين" وانتظار الوفاء منهم هو من قبيل الخداع للنفس.

فالذين لا يكلفون أنفسهم عناء الأعمال الصالحة، ويوهمون أنفسهم بالقول (إني سوف ألوذ بفلان، فهو الذي سينقذني) إنما يخدعون أنفسهم، لأنه كما أن لا أحد يموت مكان أحد، فكذلك لا يُحمّل أحد حساب غيره في الآخرة.حيث يقول الله سبحانه وتعالى:

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}( فاطر: 18)

ولذلك فإننا حتى نكون ممن ينالون رحمة الله تعالى وشفاعة نبينا صلّى الله عليه وسلّم يوم المحشر حيث لكل امرئ شأنٌ يغنيه وقتذاك، ينبغي علينا استغلال حياتنا هذه التي تعتبر بمثابة موسم للتوبة، والاستغفار، والعبادة، والأعمال الصالحة، وإننا مضطرون للاستعداد وتحضير أنفسنا من اليوم لمواجهة المواقف الصعبة والمسالك الوعرة التي تنتظرنا في المستقبل مثل القبر، والقيامة، والحشر، والصراط.

وبناء على هذه النظرة، يجب علينا بذل غاية جهدنا في سبيل استغلال عمرنا الذي هو رأس مالنا الحقيقي في هذه الحياة، بالطاعات والأعمال الصالحة، ومما لا ينبغي تجاهله، أن نعمة الحياة الفانية هذه في دنيا الامتحان الإلهي، قد منحت لنا لمرة واحدة فقط، وإن أجلنا المحتوم إذا ما حان موعده، فإنه لا يتأخر أبداً، ولايتكرر، ولا حتى يمكن تجنبه بحال من الأحوال...

ويصور لنا الله سبحانه وتعالى حال الذين يفنون عمرهم الذي هو رأسمالهم في غفلة وشرود عن الحق، ببيان رائع في كتابه العزيز:

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ...}

فيأتيهم الجواب:

{...أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} (فاطر: 36-37)

ولذلك فقبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه مال، ولا بنون، ولا أصحاب، علينا استغلال الفرصة التي بين أيدينا اليوم، وبذل الجهد للوصول إلى حالة من القلب السليم، والتزود لرحلتنا الأبدية بالأعمال الصالحة. حيث يقول الله سبحانه وتعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله...} (الحشر: 18)

وفي آية آخرى  يقول تعالى:

{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} (إبراهيم: 31)

وعلينا عدم النسيان بأن وفاءنا بشأن مال الدنيا هو إنفاقه في هذه الحياة وإرساله إلى الآخرة احتساباً للأجر عند الله تعالى. ووفاؤنا بشأن الأولاد هو تربيتهم على صراط الله المستقيم، حتى يدعوا لنا عقب مغادرتنا لهذه الحياة الفانية، فننال الأجر والحسنات بدعائهم، ويكونون بمثابة الصدقة الجارية لنا. وأما الوفاء بشأن الأصحاب والأصدقاء فهم الأصدقاء الذين يحبوننا في الله تعالى ونجدهم في الأوقات الصعبة.

وإن الأموال والأملاك التي ستنتقل إلى أيدي الورثة ولا يُعلم إن كانت ستصرف في الخير أو الشر، سوف نحاسب عليها حساباً شديداً يوم القيامة.

ويقدم لنا الشيخ صادي مستلهماً من هذه الحقيقة النصيحة التالية:

«يا من هو غافل عن الآخرة تدارك نفسك لأنك بعد موتك سوف تطغى على أعين أقاربك أغطية الطمع فلا يقومون بفعل الخيرات والحسنات مثل التي ترجوها وتريدها أنت. إن كنت لا تريد أن تقع في الشدة والكرب فتذكر الذين هم في شدة وكرب في قبورهم، وقم بالإنفاق وعلى الفور في الأماكن التي تحتاج إلى الإنفاق ما دام أن الخزينة اليوم بين يديك، ولا تترك ذلك للغد لأن المفاتيح قد تخرج من يديك في الغد. اِحمل زادك معك من اليوم بنفسك، ولا تظنّ أن أقاربك وأصدقاءك الذين تتركهم  خلفك سوف يظهرون لك الشفقة التي تستحقها بعد موتك. فالذي يحمل زاده إلى الأخرى بنفسه، يستحق أن يقال أنه نال ووصل إلى النعمة الكبرى، واعلم أنه لا يحك ظهري وهو يفكر بحالي غير أظافر يدي. وأما غيري فلا يفعل ذلك».

وقد قال الحكماء في سبيل توضيح هذه الحقيقة بشكل مبسط:

«عندما يموت المرء، يواجه محنتين بشأن ماله، لم ير مثلهما من قبل:

أما الأولى: فهي ذهاب كل أمواله من يديه، وأما الثانية: فهي محاسبته عن كل هذه الأموال بالرغم من خروجها من يديه».

ومرة أخرى يتابع الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي نصائحه، فيقول:

«إذا جاء غريب إلى بابك فلا ترده خائباً. فلا قدر الله ربما تصبح غريباً يوماً، وتسأل على الأبواب، انظر إلى مجروحي القلب واسأل عن أحوالهم، فلربما تتعرض للموقف ذاته يوماً ما، لا تطرد من يأتي إلى بابك، ولا تعبس بوجهه، وقابله بالابتسامة  تعبيراً عن شكرك لعدم حاجتك إلى سؤال الناس والذهاب إلى أبوابهم...».

وخلاصة الكلام، أن من أحد أفضل سبل النجاة من أهوال يوم القيامة هو القيام على شؤون إخواننا في الدين الذين ضاقت بهم الأحوال ووقعوا ضحية الفقر والظلم والحاجة، والتفريج عن كرباته،. وعدم النسيان بأنهم أمانة الله تعالى في أعناقنا.

وإن في المهاجرين والأنصار خير مثال لنا في هذا الخصوص، فينبغي أن نقيس مدى اهتمامنا بإخواننا في الدين وفق ميزان أحوال أولئك الرجال، وعلينا التفكير ملياً، بمدى تألم قلوبنا لحال إخواننا المسلمين السوريين، والعراقيين المظلومين، والمغدورين، والأرامل، واليتامى الذين لجؤوا  إلى بلادنا اليوم، وكم عانينا لمعاناتهم، وحزنّا لأحزانهم؟

ويجب علينا بشكل مستمر محاسبة أنفسنا، والتفتيش عن مستوى الرحمة والشفقة في قلوبنا، وعلينا اغتنام عمرنا الذي هو رأسمالنا الحقيقي بالتزود بالأعمال الصالحة في المجالات الكثيرة التي لا حصر لها، وذلك من أجل جلب محبة الله تعالى لنا ورضاه عنا، والحذر من إفناء عمرنا بالسير خلف الأوهام الفارغة، والتخيلات الباطلة.

أدعوا الله تعالى أن يجمل قلوبنا بعشق العمل والحماس الديني، وأن يؤلف نوايانا برضاه، وأن يحيينا مسلمين ويتوفانا مسلمين، ويحشرنا جميعاً بإحسانه مع عباده الذين أحبهم ورضي عنهم يوم الدين. آمين!...

نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 35، 9/2021