من حِكَم أولياء الله جعفر الصادق -رحمه الله- 5
يقول جعفر الصادق رحمه الله:
«لأن أندم على العفو عشرين مرة، أحب إلي من أن أندم على العقوبة مرة واحدة».
يتصف المؤمن بالإنسانية في الحياة فهو يبذل قصارى جهده لأن يعيش مع أخوته في الدين بشكل حسن مهما كلفته هذه المعيشة من ثمن، وكذلك هو من الناس الذين يمكن أن يعاشر بالحسنة في المعيشة، وإذا ما وقع خلاف بين المؤمن وأخيه، فإنه يبادر إلى العفو والمسامحة، ويتغاضى عن أخطاء أخيه وتقصيره، حتى عن الدخول معه في جدال لتحديد صاحب الحق، فلا يقول لأخيه: "أنت مخطئ، والحق لي" وإنما يتسامى عن ذلك الجدال بالصفح والعفو، لأن المؤمن الذي يعلم حرمة هجران أخيه المسلم ومقاطعته لأكثر من ثلاثة أيام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
«لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث، فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم» (أبو داود، الأدب، 47/4912)
وأن المشاحنة والقطيعة مع أخيه المسلم إذا ما امتدت لسنة فإنها جرم كبير يعادل إهراق دمه، لا يمكن أن يفكر إلا بالعفو والتسامح مع إخوانه المؤمنين. فإن من مقتضيات الإيمان والتقوى هي الإسراع في إصلاح ذات البين والتخلي عن رعونات النفس وأهواءها طلباً لمرضاة الله تعالى، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة:
{وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)
وفي آية أخرى يقول:
{...فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 1)
ويذكر في آية أخرى أيضاً:
{إِنَّمَا الْمؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10)
وقد تضمّن كتاب أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي بعثه إلى والي مصر مالك بن حارث الأشتر، معاني رائعة عن العفو والصفح، حيث يوصي فيه بما يلي:
«أشعر قلبك الرحمة بالرعية، والمحبة لهم، واللطف بالإحسان إليهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياَ تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان، إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويُؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه، فإنك فوقهم، و والي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولّاك بما عرفك من كتابه، وبصرك من سنن نبيه عليه الصلاة والسلام.
فلا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة!...
ومع هذا الذي ذكرناه آنفاً، فإنه يجب عدم التفريط بمعايير العفو والتسامح بخصوص كل أمر، فالعفو فضيلة بحق من يدرك خطأه ويعترف بذنبه، أما العفو عمن يصرّ على خطئه، وعصيانه، وظلمه فلا يعتبر من الفضيلة في شيء، وإنما على العكس من ذلك فإنه يعتبر عجزاً وضعفاً، وذلك لأن العفو عن المصرّ على خطئه وغلطته يعتبر بمثابة تشجيع له على تكرار خطئه مرة أخرى. حيث يقول أحد الأولياء الصالحين: «العدالة كسقاية أشجار الفاكهة، والظلم كسقاية الأشواك»
ومن جهة أخرى، فإن العفو والمسامحة تكون في المسائل الشخصية التي وقع الخطأ فيها بحق الشخص المطلوب العفو منه. حيث أن هناك أخطاء تحمل في طياتها مِساساً بالمقدسات الدينية، والقيم الوطنية، وتشكل انتهاكاً لحقوق المجتمع، ففي مثل هذه الحالات ينبغي من أجل إصلاح الأمر إيقاع العقاب بالمخطئ بدل العفو عنه، وتحقيق العدالة بإظهار الحق وإزهاق الباطل، لأن العفو عمن يرتكب مثل هذه الأخطاء يفتح المجال لآثام كثيرة وبالتالي وقوع مظالم كبيرة في المجتمع. وتروي لنا السيدة عائشة رضي الله عنها سلوك النبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الأحوال، حيث تقول:
«ما نيل منه -أي من النبي صلّى الله عليه وسلّم - شيء قط. فينتقم من صاحبه. إلا أن ينتهك شيء من محارم الله. فينتقم لله سبحانه وتعالى » (مسلم: الفضائل، 79/2328)
يقول جعفر الصادق رحمه الله تعالى: «إذا بلغك عن أخيك الشيء تُنكره فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين عذراً، فإن أصبته، وإلا فقل: لعل له عذراً لا أعرفه» (هاني: الحدائق، س. 132)
فالأخلاق الإسلامية تلزم المرء على الانشغال بنفسه والنظر في أخطائها وتقصيرها ومن ثم تلافيها وإصلاحها، بدل تتبع أخطاء الآخرين والتفتيش عن تقصيرهم.
وعلى المؤمن أن تكون نظرته إيجابية إلى أخيه بشكل دائم، فيتمنى له الخير ودوام النعم في كل أحواله، ويجب على المؤمن الحذر والابتعاد عن الخصال المذمومة مثل النزعات النفسية والوقوع في الحسد تجاه إخوانه المؤمنين التي تجره إلى تصيد أخطائهم ومن ثم إظهار النفس بمظهر الحق والاستقامة. حيث يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك» (الترمذي: القيامة، 54/2506)
ومن جهة أخرى ينبغي على المؤمن تجنب سوء الظن بأخيه إذا ما رآه متلبساً بمعصية، وعدم التسرع في إطلاق حكم خاطئ بحقه، وإنما عليه الاحتياط لأمره والتصرف بأناة وحكمة، بتقليب المسألة على وجوهها لعل فيها غموضاً لم يدركه، أو أن لأخيه معذرة دفعته إلى ما هو فيه، لأن حسن الظن والمسامحة من آداب الأخوة الدينية التي حثّ الإسلام عليها كثيراً.
ويقول الله تعالى في كتابه العزيز:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } (الحجرات: 12)
وبذلك فإن الله تعالى أمر المؤمنين بتجنب الظن بإخوانهم، وحرم عليهم بشكل واضح التجسس، وتتبع عورات الآخرين، وفضح أسرارهم، وأخطائهم.
وإن من واجبات الأخوة الدينية المهمة في الأخلاق الإسلامية ستر عيوب الأشخاص المبتلين بالمعاصي إذا ما اضطلع أحد المؤمنين عليهم وهم متلبسون بها إذا لم تتجاوز آثار هذه المعاصي إلى الآخرين في المجتمع، ونصحهم بأسلوب لين ورقيق، وحثهم على تركها.
ونورد في هذا المجال حادثة تجسد هذه الحقيقة بصورة جلية:
بينما كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتجول ذات ليلة في شوارع المدينة المنورة، يتفقد أحوال الناس، تناهى إلى مسامعه من أحد البيوت صوت رجل يغني. فتسلق عمر الحائط وقفز إلى دار الرجل، وعندما وصل إلى الرجل رأى بجانبه جارية وقوارير من الخمر.
فصرخ بالرجل قائلاً: يا عدو الله! هل ظننت أن الله تعالى سوف يسترك بينما أنت غارق في معصيته؟
فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، لا تتعجل بالغضب علي! إن كنت قد عصيت الله تعالى مرة واحدة، فإنك عصيته ثلاثاً:
الأولى؛ يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} ، وأنت تجسست علي.
الثانية؛ يقول الله تعالى:
{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} (البقرة: 189)
وأنت تسلقت على حائط داري مقتحماً، ودخلت علي البيت من الخلف دونما استئذان!
وأما الثالثة، فيقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النور: 27)
وأنت دخلت بيتي من إلقاء السلام!
فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه سائلاً: - هل ستصلح نفسك إن عفوت عنك؟
قال الرجل: - بلى، والله يا أمير المؤمنين! لئن عفوت عني، فلن أعود لمثل هذه المعاصي أبداً!
فعفى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الرجل وخرج من البيت.
يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الشريف:
«من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها» (ابن ماجه: الحدود، 5/2546)
ويقول في حديث آخر: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» (الترمذي: القيامة، 53/2505)
فكما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق لم ينشغل في حياته يوماً بتتبع عورات الناس، وفضح أسرارهم وعيوبهم، فإنه حرّم بشدة على المؤمنين أيضاً الانشغال بمثل هذه الأمور، والتلبّس بهذه الأحوال، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يمعن النظر إلى وجه أحد لدرجة قد يفهم منها معنى التجسس، أو البحث عن العيوب.
ومن واجب المؤمن حفظ بصره وقلبه عن التجسس على عورات إخوانه المؤمنين، والانشغال بالتأمل في عالمه الداخلي، والبحث عن أمراض النفس والقلب في ذاته لإصلاحها.
وينبغي ألا يغيب عن بالنا بأن إحدى صفات الحق سبحانه وتعالى "ستّار العيوب" أي أنه يستر عيوب عباده وعوراتهم. ولذا فإن على المؤمن الحقيقي العمل على الاتصاف بهذه الأخلاق الإلهية على قدر استطاعته. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}( النور: 19)
ويقول في آية أخرى:
{لَا يُحِبُّ الله الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ الله سَمِيعًا عَلِيمًا} (النساء: 148)
إن إفشاء العيوب الشخصية لإخواننا في الدين بين الناس يحملهم على الدفاع عن هذه العيوب والأخطاء، وبالتالي فإن هذا الأمر قد يتسبب بابتعادهم عن أبواب التوبة وإصلاح أنفسهم، ولذلك فإن خير سبيل لتقديم النصح لهم، هو اللجوء إلى طريقة غير مباشرة تنبههم إلى أخطائهم بدلاً من مواجهتهم بهذه الأخطاء والمعاصي وجهاً لوجه والتي قد تدفعهم إلى النفور والعناد، ومن ثم تقديم النصح بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالكلام اللين، وإن هذا الأسلوب في نفس الوقت، أي التوجه إلى مخلوقات الله سبحانه وتعالى والنظر إليهم بعين الرحمة والشفقة، هو من المظاهر الروحانية العليا.
لأن المؤمن كاملُ الإيمانِ عدوٌ للذنب وليس للمذنب، ولذلك فإن مشاعر الكره للذنب لا تمتد إلى المذنب، وإنما عكس ذلك تماماً، إذ ينظر إلى المتلبس بالذنب كإنسان عاجز عن التخلص من الذنب الذي وقع فيه، كما ينظر بعين الرحمة إلى طائر جريح يتلوى من الألم أمامه، حيث يتوجه إلى العاصي بالإرشاد والوعظ بأسلوب رقيق لين، من غير إهانة أو أذى، بدلاً من ملاقاته بالكراهية والتحقير والنفور، ويمد يد العون إلى ذلك الأخ الذي وقع في أوحال الذنوب لينتشله منها ويعيده إلى حياة نزيهة طاهرة، ويجهد في سبيل كسب ذلك القلب المنكسر ضمن مناخ من التسامح والعفو.
وإن خير مثال ونموذج لكيفية تعاملنا مع إخواننا المبتلين بالمعاصي تلك الحادثة التي يرويها لنا يزيد بن عصام، حيث يقول:
«لقد كان بالشام رجل قوي البنية مهاب الجانب، وذا نفوذ كبير، وكان يأتي بين الفينة والأخرى لزيارة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبعد فترة من الزمن لم يعد سيدنا عمر رضي الله عنه يرى ذلك الرجل، فسأل الناس من حوله:
- ما بال فلان، قد غاب عنا ولم نعد نراه؟
فقالوا له: - يا أمير المؤمنين! إن فلاناً قد أدمن شرب الخمر.
وعندما سمع عمر رضي الله عنه هذا الكلام نادى كاتبه، وقال:
اكتب! مِن عمر بن الخطاب إلى فلان! السلام عليكم! أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو:
{غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ} (غافر: 3)
وعندما استكتب سيدنا عمر رضي الله عنه الكتاب التفت إلى أصحابه وقال لهم:
- ادعوا الله تعالى حتى يعود أخوكم إلى الله ويتفضل الله سبحانه وتعالى بقبول توبته!
ولما وصل كتاب عمر إلى ذلك الرجل ظل يردد قراءة الآية الكريمة التي ضمنها عمر رضي الله عنه في كتابه: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ...}
ويقول باكياً: - إن الله سبحانه وتعالى يخيفني بعذابه الشديد من جانب، ويعدني بالتوبة عليّ وغفران ذنوبي من جانب آخر، ومن ثم تاب وحسنت توبته.
وعندما بلغت توبة ذلك الرجل عمرَ رضي الله عنه قال: - هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زلّ زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه».(ابن كثير: التفسير، 4، 76)
يقول جعفر الصادق رحمه الله تعالى:
«الذنب الذي يسبقه خوف ويليه استغفار فإنه يقرّب العبد من الله تعالى، والطاعة التي يسبقها أمان ويليها كبر فإنها تبعد العبد عن الله تعالى، لأن ذا الطاعة الذي تعجبه نفسه بطاعته، هو في الحقيقة من أهل العصيان، وذا المعصية الذي يستغفر هو في الحقيقة في طاعة» (العطار: التذكرة، ص. 55)
عندما اعترض الشيطان الرجيم على أمر الله تعالى واقترف معصية الأولى، وقع أسير استكباره وأنانيته وأصرّ على خطأه، فأصبح ضحية لعناده. وبذلك عرّض نفسه لِلعنةٍ من الخالق سبحانه وتعالى.
وأما سيدنا آدم عليه السلام وأمنا حواء فقد استجابا لوسوسة الشيطان وأكلا من فاكهة الشجرة التي حرمها الله تعالى عليهما، وكان ذلك أول ذنب يرتكبه الإنسان، غير أنهما لم يعملا على اختلاق ذرائع لتغطية الخطأ الذي اقترفاه مثل الشيطان الملعون، وإنما أسرعا إلى الاعتراف بذنبهما والتوبة عنه بكل صدق وإخلاص.
وقالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} (الأعراف: 23)
فتجمّلا بفضيلة الرجوع عن الخطأ والمعصية، وتضرعا إلى الله تعالى ومغفرته بكل ندم وخجل، ونالا لطف الله تعالى بقبوله لتوبتهما واستغفارهما الصادق المليء بالإخلاص والدموع، وبذلك أصبحا مثلاً ونموذجاً لكيفية النجاة والخلاص من أوحال الذنوب والخطايا التي سوف تتعرض لها السلالة البشرية من بعدهما.
وليس بمقدور بني آدم الذي أُرسل إلى دنيا الامتحان هذه مع عدوين لدودين مثل الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، ليس بمقدوره البقاء معصوماً من دون الوقوع في الخطأ والنسيان نظراً لطبيعته البشرية التي جُبل عليها. ولذلك فإن من الأهمية بمكان ألا ينسى العبد ربه الغفور التواب كلما اقترف ذنباً، وأن لا يقطع أمله برحمته تعالى، وبالتالي يبادر بكل صدق وإخلاص إلى طلب المغفرة والعفو من الله تعالى ليتجاوز عن خطاياه ويغفر ذنوبه.
فكم من أناس مذنبين تائهين، وغارقين في ظلمات الخطايا قد أصبحوا من أولياء الله الصالحين بدموع الندم الصادق والتوبة النصوحة عن ذنوبهم أمام أعتاب الخالق سبحانه وتعالى. ومقابل ذلك، كم من أناس تعرضوا لغضب الله ومقته وقد كانوا يظنون أنفسهم من أصحاب الجنة باعتمادهم على أعمالهم التي أغرتهم وأمَّلتهم بعلوّ درجتهم وقربهم من رحمة الله تعالى.
وكم من مذنبين اليوم يُنظر إليهم باستحقار وامتهان وبمرور الأيام يصلون إلى أعلى مراتب ودرجات التقوى ويصبحون أفضل ممن كانوا يستحقرونهم، وذلك بالتطهر من تلك الذنوب بالتوبة والاستغفار، وكم من زهّاد أفنوا عمرهم بالعبادة والتقوى، قد وقعوا في أهواء النفس وضحيةً لحبال الشيطان الذي زيّن لهم أعمالهم وأدخل الغرور في أنفسهم، فمحقوا أعمالهم وأضاعوا آخرهم... وخلاصة القول، ليس هناك ضمان لأحد في البقاء على الإيمان إلى آخر نفس، والوفاة على الإيمان ماعدا الرسل والأنبياء، والمُبشرين بالجنة...وإن في الحادثة التي يخبرنا عنها النبي صلّى الله عليه وسلّم خير عبرة لنا، إذ يقول صلّى الله عليه وسلّم:
«والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك» (مسلم: البر، 137/2621)
إذاً يجب على الإنسان أن يكون في غاية الانتباه عندما يتحدث في المسائل التي لا يعلم بها إلا الحق سبحانه وتعالى، والالتزام بالحذر الشديد في النطق بأية كلمة قد تتجاوز حدود الله تعالى، وينبغي عدم النسيان بألا أحد يعلم علي أي حال سينهي امتحان العبودية في هذه الحياة الدنيا إلا الله سبحانه وتعالى، وبناء على ذلك فإن المؤمن الصادق في إيمانه:
- لا ينخدع بحسن حاله، وبأعماله الصالحة.
- لا يصيبه الغرور والتعالي كما لو أنه مطمئن على عاقبته السعيدة.
- ولا ينظر إلى الناس المذنبين والمخطئين باحتقار وامتهان، ليظهر نفسه بمظهر المتسامي عليهم بطريقة غير مباشرة...
ومرة أخرى يخبرنا النبي صلّى الله عليه وسلّم بحادثةٍ فيها الكثير من العبرة والموعظة بخصوص الموضوع الذي نتكلم عنه، إذ يقول:
كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر. " أي اترك الذنوب" فوجده يوماً على ذنب فقال له: أقصر.فقال له المذنب:خلني وربي، أبُعثت علي رقيباً؟
قال له المجتهد: والله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة.فقبضت أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً، أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر:اذهبوا به إلى النار. فيقول أبو هريرة رضي الله عنه الذي روى الحديث:
- والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. (أبو داود: الأدب، 43/4901)
إذاً، إن الله تعالى وحده العالم بقلوب العباد، والعالم بتقلبات أحوالهم، فإنه يعلم السر وما أخفىن وإن المسؤولية الملقاة على عاتقنا هي الانشغال بالتفتيش عن أخطائنا، والتجمّل بالتوبة والاستغفار عن ذنوبنا، لأنه في هذه الدنيا الفانية كأننا نمشي في حقل مليء بالألغام، وينبغي الحذر والانتباه في كل خطوة نخطوها، وفي كل حالة نتقلب فيها.
ومما يجب عدم نسيانه أيضاً، أن الصفات الحسنة التي نعتقد أنها موجودة فينا قد توجد أفضل وأحسن منها في أشخاص لا نتوقع اتصافهم بها أبداً، ولهذا السبب فإن الاستخفاف بعباد الله سبحانه وتعالى ، والنظرة الدونية إليهم هي في الأساس استصغار واستخفاف بأنفسنا، وهي من الخصال المرذولة.
ولذلك فإن على المؤمن الاحتياط في أمره والحذر من الاستخفاف واحتقار عباد الله تعالى، وحتى الابتعاد عن هذا الأمر تجاه الحيوانات ومخلوقات الله سبحانه وتعالى الأخرى.
وقد روي أن نوح عليه السلام صادف كلباً جريحاً في طريق، فامتنع عن النظر إليه وأدار وجهه إلى جهة أجرى، فقال له الكلب: يا نوح! هل تعيرني لحالي؟ وأنا الذي خلقني الله!
فإذا كان من الواجب التعامل مع الحيوانات التي خُلقت من أجل الإنسان يتطلب مثل هذه الحساسية والرقة، فمن السهولة إدراك ضرورة ووجوب الابتعاد عن استصغار البشر وتجريح مشاعرهم، وأن الوقوع في هذا الأمر خطيئة كبرى.
وحاصل الكلام، يجب على المؤمن عدم الاغترار بالنظر إلى أعماله الصالحة، والطريق الصحيح الذي يسير عليه، والابتعاد عن الاعتقاد بأنه من الناجين من عقاب الله وعذابه، وبالمقابل فإنه لا ينبغي أن ييأس بسبب ذنوبه ويقطع أمله من رحمة الله سبحانه وتعالى ، وإنما عليه الإقلاع عن الذنوب والمعاصي في الحال، واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة والاستغفار.حيث يقول الله تعالى في الآية الكريمة:
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: 99)
ولذا فإن على الإنسان أن يؤدي عبوديته لله تعالى بمشاعر تتقلب بين الخوف والرجاء إلى آخر نفس من حياته. لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في هذا الشأن:
«يموت المرء على ما عاش عليه، ويُحشر على ما مات عليه» (المناوي: فتح القدير، 5، 663)
ومع كل ما ذكرنا، فإنه ما ينبغي أن نتجاهل الاستثناءات التي يمكن أن تخرج عن هذه الحقيقة العامة، وذلك لأن القرآن الكريم والنبي صلّى الله عليه وسلّم قد أخبرنا بأن أناساً يعيشون حياتهم على الاستقامة حتى يكونوا على وشك الدخول إلى الجنة فيعملون بعمل أهل النار ويكونون من الخاسرين للسعادة الأبدية، وبالمقابل فإن أقواماً يعيشون حياتهم في حالة بعيدة عن الاستقامة حتى يكونوا على وشك الدخول إلى نار جهنم، فيعملون بعمل أهل الجنة ويكونون من الفائزين.
ومرة أخرى يجب عدم النسيان بأن غضب الله سبحانه وتعالى كما رحمته قد تتجلى في أعمال صغيرة أو كبيرة، وبناء على ذلك ينبغي علينا الحذر الشديد من اقتراف حتى أصغر الذنوب والخطايا، وبذل الجهد لاغتنام أيّ عمل من الخير حتى وإن كان من أصغر الأعمال.
وأخيراً أدعو الله سبحانه وتعالى أن يؤلف قلوبنا على مرضاته، وأن يوفقنا جميعاً إلى الأعمال التي ترضيه، وأن يحسن عاقبتنا بلطفه وكرمه...آمين!...
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 34، 5/2021