من حِكَم أولياء الله جعفر الصادق -رحمه الله- 4
كان جعفر الصادق (رحمه الله) رجلًا متواضعًا لا يستحقر أحدًا، ويرى كل مؤمن خيرًا منه.ونُقِل أنه كان جالسًا مع أصحابه ومواليه، فقال: تعالوا حتى نتبايع ونتعاهد على أن من يكون منَّا ناجيًا يوم القيامة يشفع للباقين. فقالوا: يا بن رسول الله، كيف تكون لك حاجة إلى شفاعتنا، وجدُّك شفيعٌ لجميع الأنام؟! فقال (رحمه الله): إني لأستحيي من جدي أن أنظرَ إليه يوم القيامة مع هذه الأعمال.
جاء أربعة رجال إلى أحد أصحاب الحق الحسن البصري شاكِين إليه مشكلتهم، وطالبين النصح والإرشاد، فأما الأول كان يشكو من الجفاف، وأما الثاني فكان يشكو من الفقر، والثالث كان يشكو من نقص محصول أرضه، وأما الرابع فان يشكو من العقم.[1] نظر ولي الله إليهم وأوصاهم جميعاً بالاستغفار إلى الله تعالى.
فقال له الحاضرون لمجلسه: - يا سيدي، إن مشاكل هؤلاء ومعاناتهم مختلفة عن بعضها، وإنك أوصيتهم بالوصفة ذاتها للجميع!. (ابن حجر، فتح الباري، 11، 98)
فأجابهم الحسن البصري بالآية الكريمة الآتية:
{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} (نوح: 10- 12)
إذاً فإن الله سبحانه وتعالى ينجي عباده من كثير من المصاعب والمحن بالتوبة والاستغفار، ويحيطهم بلطفه وكرمه. ولذلك فإن ما يجلب رحمة الله تعالى ويدفع غضبه ومقته هو توجه العبد إليه بقلب مخلص منكسر وطلب المغفرة والعفو عن معاصيه وأخطائه التي اقترفها، والتجاوز عن تقصيره.
وهكذا فإن الله تعالى يقول في آية أخرى: {وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}( الأنفال: 33)
يقول جعفر الصادق رحمه الله: «الغضب مفتاح كل شر». (الغزالي، الإحياء، 3، 166)
فعلى المؤمن أن يكون مفتاحاً للخير، ومغلاقاً للشر. وإذا ما اعتبرنا الغضب مثل سكين ذو حدين، فإن الغضب الذي ينبع من الناحية الإيمانية يكون مفتاحاً للخير، وأما الغضب النابع من الناحية النفسية فإنه مفتاح للشر، لأن الغضب النفسي يُذهب العقل ويتحوّل إلى حالة من الجنون وفي الغالب عاقبته وخيمة، أما المؤمن إذا غضب فإن غضبه يكون من أجل رضا الله تعالى، فيغضب على أعداء المسلمين، وعلى ارتكاب المعاصي وانتهاك حرمات الله، ويجاهد نفسه دائماً على لجم الغضب الذي يكون استجابة لرعونات النفس.
وإن في حادثة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مع ذلك الرجل المشرك في المعركة خير برهان على ما ذكرناه في الأعلى، فعندما تمكن علي كرم الله وجهه من الرجل وهمّ بقتله والإجهاز عليه بصق الرجل في وجه علي من شدة الخوف والحنق، فأمسك علي رضي الله عنه عن قتله وتراجع إلى الوراء، دُهش الرجل الذي لم يذق طعم الإيمان وحلاوته وما يفعله بالمرء، ولم يتمكّن عقله من إدراك السر العجيب لسلوك علي رضي الله عنه ، فنسي الموت والقتل، وسأل علياً في حيرة:
- يا علي! لم توقفت بينما كنت على وشك قتلي؟ وما الذي حدث حتى تحوّلت من أقصى درجات الشدة والقسوة، إلى منتهى الهدوء والسكون العصي على الفهم؟ فبينما كنت مثل صاعقة مرتعدة وفي لحظة واحدة هدأت مثل سكون الريح، فما السر والحكمة وراء ذلك؟ لقد أصبحت حالتك لغزاً بالنسبة لي.
فأجابه علي كرم الله وجهه:
- إني أجاهد في سبيل الله، وإني أضرب رقاب الأعداء من أجل مرضاة الله تعالى، ولا أشرك ولا أنتصر لنفسي في ذلك بشيء، وعندما بصقت في وجهي حقرتني وأثرت غضبي فأردت بذلك تحريك نفسي. ولو أني قتلك في لحظات الثورة والغضب تلك لكنت منتصراً بذلك لنفسي، وإني لا أغزو وأجاهد لإرضاء غروري، وإنما أنشد من جهادي رضا الله تعالى.
وإن الله سبحانه وتعالى يصف عباده المتقين، ويذكر الثواب الذي ينتظرهم يوم القيامة في الآية الكريمة الآتية:
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ} (آل عمران: 133- 134)
وإن خير تطبيق لهذه الآية الكريمة على أرض الواقع يتمثل في الحادثة التالية:
لقد كان لجعفر الصادق رحمه الله عبد يخدمه، وفي أحد الأيام بينما كان يصبّ العبد الماء لسيده جعفر وهو يغسل يديه انسكب الماء على ثيابه دون إرادة من العبد، فنظر جعفر رحمه الله إلى العبد وعلامات الغضب بادية عليه، فقال العبد: يا سيدي، إن الله تعالى يعد {الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} بالمغفرة والجنة. قال جعفر الصادق: إن كان كذلك فقد كظمت غيظي. وتابع العبد قراءة الآية: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} فقال جعفر الصادق: لقد عفوت عنك. فتابع العبد من جديد قراءة الآية: {وَالله يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ}. فقال له جعفر الصادق: اذهب فإني أعتقك لوجه الله تعالى! وإليك ألف دينار تستعين به على حاجاتك!.
وهكذا فإنَّ لجم الغضب وكظم الغيظ إرضاء لله تعالى تجاه من أخطأ بحق المرء وقصّر بحقه من الفضائل الكبرى.
حيث يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الشريف:
«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (البخاري، الأدب، 76؛ مسلم، البر، 107، 108)
وفي حديث آخر يبين النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الغضب انتصاراً للنفس سبيل للتهلكة والخسران إذ يقول:
«إن الغضب جمرة في قلب بن آدم تتوقد ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فإذا وجد أحدكم ذلك فليجلس أو قال فليلصق بالأرض» (الترمذي، الفتن، 26/2191؛ ابن ماجه، الفتن، 18)
وفي حديث آخر يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فان ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» (أبو داود: الأدب، 3/4782؛ مسند أحمد: 5، 152)
يقول أبو وائل:
ذهبنا يوماً إلى عروة بن محمد، وكان في مجلسه رجل يتكلم بكلام أغضب عروة، قام عروة من مجلسه إلى الخارج فتوضأ ثم رجع إلينا، وروى لنا عن النبي عليه الصلاة والسلام الحديث الآتي:
«إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (أبو داود: الأدب، 3/4784)
وينبغي أن نشير في هذا المجال أنه بقدر ما يشكّل الغضب من خطر على الإنسان ويورده المهالك، فإنه في نفس الوقت يكون الغضب على درجة كبيرة من الأهمية إن كان في سبيل رضا الله تعالى، حيث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يغضب من أحد إرضاء لنفسه، ولم يجادل أحداً انتصاراً لذاته، وإنما كان يغضب لغيره وينتصر لحقوق العامة فيصرّ على الدفاع عن الحقوق حتى تنتفخ أوداجه ويتقطب جبينه، كل ذلك لإظهار الحق وإعادته إلى أصحابه، حتى إذا عاد الحق وتحققت العدالة يعود عليه الصلاة والسلام إلى هدوئه وسكينته.
يقول جعفر الصادق رحمه الله:
«لا تحزن لكلام لم يعجبك قاله أخوك المؤمن بحقك! فإن كان فيك ما قاله، يكون قوله كفارة لذنبك يوم القيامة. أي يكون ذلك القول جزاءً لك على ذنبك بينما أنت في هذه الحياة الدنيا، وإن لم يكن فيك ما قاله بحقك، فإن ذلك يكسبك حسنة من غير أن تقوم بعمل» (أبو نعيم، الحلية، 3، 198)
إنّ هذه الوصية التي يقدمها لنا جعفر الصادق، هي خير وأجمل مواساة للمؤمنين وبالأخص للذين يُتهمون ظلماً وبهتاناً بأمور وذنوب لم يقترفوها. فينبغي تذكر هذه النصيحة في مرة يتعرض المرء فيها لاتهام أو افتراء ليهدأ القلب ويشعر بالسلام والطمأنينة.
وإن من الحقائق البديهية أن المؤمن مهما بلغ من الورع والتقوى، فإنه يبقى معرضاً لأقاويل الناس واتهاماتهم له بالباطل. وليس بإمكان أحد تجاوز هذا الأمر أو تفاديه، فالجميع معرضون للافتراء بحقهم.
على الرغم من أن نبينا محمداً صلّى الله عليه وسلّم كان مثالاً ونموذجاً للبشرية الذي تجلّت فيه قدرة الله تعالى وبديع صنعه، لم يسلم من النقد والتجريح بأقسى الكلمات والافتراءات من أبي جهل والذين من طينته من الناس الغافلين الذين لا يخلو عصر من أمثالهم، وهذا خير دليل وشاهد واضح على عدم نجاة أي إنسان من الاتهامات والافتراءات الباطلة.
وإن العبد مهما بلغ من درجات التقى والورع فلن يترك هو وشأنه، ولا بد أن يخرج من بين الناس من ينتقده، ويشتمه، ويرفض أعماله، ويقع في غيبته.
وإن من إحدى صفات المؤمنين وأوصافهم الرفيعة الإعراض عن الناس الذين ينالون منهم بسيء الكلام، ولا يبالون بالتجريح والنقد الذي يتعرضون له من الناس. وذلك لأن هذه الاتهامات بحقهم إن كانت تحمل شيئاً من الصحة فتعتبر من "الغيبة"، وأما إن كانت مجرد اتهامات لا أصل لها من الصحة فهي "افتراء وبهتان". وفي الحالتين، فإن المؤمن الذي يتعرّض لمثل هذه الأقاويل والاتهامات إما أنها تعتبر وسيلة لمحو ذنوبه، أو وسيلة لرفع درجته عند الخالق سبحانه وتعالى.
وإن الإنسان الذي اتخذ من الغيبة والافتراء على الناس عادة له يزين بها مجالسه، يأتي يوم القيامة الممتلئ بالأهوال والمخاطر، يوم يكون بأمسّ الحاجة إلى ثواب أعماله الصالحة، فيجد نفسه مضطراً لأن يعيد حسنات أعماله إلى الذين وقع في غيبتهم في الحياة الدنيا ونال من أعراض وسمعتهم بالاتهامات والافتراءات الباطلة، وإذا لم يكف ثواب أعماله الصالحة لأداء ما عليه من حقوق العباد وديونهم، فعندها يُحمل بذنوب وأوزار الذين نال منهم في الحياة الدنيا.
إن الحادثة المليئة بالعبر التي سنوردها تبين هذه الحقائق التي ذكرناها آنفاً بأجلى صورة:
لقد اعتاد أحد المبتلين بمعصية الغيبة على الوقوع في غيبة أحد أصحاب الحق الذي يقطن بجواره، ولا يفتأ يذكره بالشر. وبسبب هذا الأمر لم يكن أحد الناس يحب ذلك المغتاب لعادته السيئة، إلا أن طبيب القلوب صاحب الحق ذاك كلما كان يواجه المغتاب أو يحضر مجلسه يستقبله بوجه بشوش والابتسامة تعلو محياه، ويقول: "تعال إليَّ أيها الصديق والشريك العزيز" فيغرقه بالاهتمام والترحيب. وقد أعادت هذه الحالة والمعاملة الجميلة، أعادت المغتاب إلى رشده، واتخذ قراره قائلاً:
- إنني أغتاب ذلك الإنسان في كل مكان، وأما هو فلا ينفكّ عن الاهتمام والترحيب بي، فلن أذكره من الآن فصاعداً بسوء.
فترك الرجل الغيبة ولم يعد يذكر صاحب الحق بسوء، إلا أنه لم يعد يجد ذلك الاهتمام والرعاية التي كان يتلقاها من صاحب الحق ذاك كسابق عهده عندما يلتقي به. استغرب الرجل من الأمر ودفعه الفضول لمعرفة السبب إلى السؤال:
- يا سيدي! لم تعد تبد اهتمامك بي، ولم تبق محبتك لي كسابق عهدك، فما سبب ذلك؟
تبسّم صاحب الحق الذي وجد الفرصة المناسبة لتقديم النصح والإرشاد إلى الرجل وأمثاله ممن ابتلوا بخصلة الغيبة المذمومة، وقال:
- في السابق كانت لي شراكة تجارية معك، والآن انتهت تلك الشراكة، ولهذا السبب فإن الاهتمام ذهب مع الشراكة. احتار الرجل في الأمر وقال باستغراب:
- عن أية شراكة تتحدث؟ فأنا لا أعرف أية شراكة بيننا.
وبينما الرجل مستغرق في حيرته وتعجبه، تابع الولي صاحب الحق حديثه:
- عندما كنت تغتابني في كل مكان ومجلس، فأنا تجمّلت بالصبر على غيبتك ولم أقابلك بالمثل، ولقاء صبري هذا كانت تكتب ذنوبي في صحيفتك، وأما حسناتك فقد كان تسجّل في صحيفتي. فكانت لي بذلك شراكة تجارية مربحة معك. وأما الآن فلا أجدك تغتابني، ويبدو أن شراكتنا تلك قد انقضت... فسأل الرجل الذي ذهل عما سمعه من الكلام:
- هل حقاً هذه حالة المغتاب؟ أما الرجل المبارك صاحب الحق فلكي يزيد له الأمر بياناً أكثر، ساق له القول التالي:
يقول الإمام الشعراني: «لو أنني اضطررت على الوقوع في غيبة أحد لكنت اغتبت أبي وأمي. لأن الإنسان المغتاب أولاً، يهدي ثوابه وحسناته إلى الشخص الذي يغتابه، وإذا نفدت حسناته فإنه يُحمّل بأوزار وذنوب ذلك الشخص».
عاد ذلك الرجل المغتاب الذي استغرق في تفكير عميق، عاد إلى رشده، وقرر التوبة عن عمله وعاهد نفسه على ألا يعود إلى الوقوع في غيبة أحد. يبين القرآن الكريم لنا مدى بشاعة وكبر حجم جرم الغيبة في الآية الآتية:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (الحجرات: 12)
فكما أن الإنسان الميت يكون في حالة لا تمكنه من سماع الأقاويل البذيئة التي تنال من شرفه وكرامته وتجرحه، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، فكذلك الإنسان الذي يتم اغتيابه وذكره بالكلام المذموم فإنه في حالة لا تمكنه من دفع الاتهامات والافتراءات التي تلصق به في غيابه. ولهذا السبب فإن الله سبحانه وتعالى قد شبّه معصية الغيبة في الآية السابقة بأكل الإنسان للحم أخيه الميت لبيان مدى بشاعة وفظاعة هذه المعصية.
يقول جعفر الصادق رحمه الله تعالى: «الداعي بدون عمل كمن يرمي بالقوس من غير سهم» (أبو نعيم، الحلية، 3، 194- 195)
وكما أنه لا يمكن تقديم الضيافة وإرواء العطش بكأس فارغة، كذلك فإن مواعظ وإرشادات الداعي الذي لا تتطابق أفعاله مع أقواله لا تحدث أي تأثير لدى المتلقين لهذه الإرشادات. وذلك لأن تأثير الكلمات وبركتها تكون حسب نسبة إخلاص الشخص وتقواه لتلك الحقيقة التي يدعو إليها. ولهذا قال أحد الأولياء: «الحكمة التي لا تتجسد بعمل، كالثوب الفاخر المستعار...»
وقال أحد الأولياء أيضاً:
«الواعظ بحاله، خير من الواعظ بقوله: أي أن حال الشخص وسلوكه ومعاملته تكون في أغلب الأحيان أكثر تأثيراً من الكلام».
حيث أن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم قد تشرفوا بهداية الإسلام من خلال تأثرهم وافتتانهم بحال النبي عليه الصلاة والسلام ولطافته ورقته، إذ كان النبي عليه الصلاة والسلام مثالاً حياً من لحم ودم للأخلاق القرآنية، فخلقه القرآن، وقد وُصف عليه الصلاة والسلام بأنه قرآن يمشي على الأرض. فالإنسان يتأثر دائماً بشخصية الإنسان المقابل له.
ولذلك فإن من واجب من يقوم بالوعظ، والإرشاد، والتبليغ الالتفات أولاً إلى نفسه فيرعاها ويجاهدها على الالتزام بأوامر الله تعالى والابتعاد عن نواهيه. وبمعنى آخر على المرء العمل على إبعاد نفسه عن غضب الله تعالى من خلال الابتعاد عن التضاد بين أقواله وأفعاله. وفي ذلك يورد الله تعالى لنا مثلاً في القرآن الكريم علماء بني إسرائيل:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44)
والمقصود بالكتاب هنا التوراة. ويقول الله سبحانه وتعالى في آية أخرى:
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ الله وَالله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة: 5)
ويقول نبينا الكريم صلّى الله عليه وسلّم:
«لما أسري بي مررت برجال تقرض شفاههم بمقاريض من نار. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال جبريل: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» (أحمد، مسند، 3، 231، 120، 180، 239؛ البيهقي، الشعب، 2، 283)
وقد روى الصحابي الجليل أنس رضي الله عنه الذي كان قلبه يرتجف متأثراً بهذه الحقائق، روى حديثاً يبين هذه الحقائق بشكل واضح إذ يقول: سألنا رسول الله: قلنا يا رسول الله لا تأمر بالمعروف حتى نعمل به ولا ننهى عن المنكر حتى تجتنبه كان قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :
«مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله» (أحمد، مسند، 3، 231، 120، 180، 239؛ البيهقي، الشعب، 2، 283)
ينبغي علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أولاً البدء بأنفسنا وعائلتنا، ولذلك فإن مهمتنا الأولى تتمثل في تربية صغارنا على المشاعر الإسلامية، إذ أن أطفالنا وفلذات أكبادنا سوف يسألوننا يوم القيامة ويحاسبوننا على تقصيرنا بحقهم.
حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ} (التحريم: 6)
فالآية تشير بشكل جلي على ضرورة البدء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأقرب الناس إلينا.
وإن تربية أطفالنا على الآداب والمشاعر الإسلامية النبيلة ليست مهمة بسيطة كما يتخيلها كثير من الناس بحيث يتم الاكتفاء بإرسالهم في العطل الصيفية إلى أحد المساجد الكبيرة والمزدحمة. وإن اتباع هذه الطريقة البسيطة في تلقي التعاليم الدينية لهو دليل على ضعف ونقصان المشاعر الإسلامية في قلوبنا، فالاكتفاء بهذا الأسلوب ومن ثم الاعتقاد بأننا قد أدينا المهمة الملقاة على عاتقنا في تربية الصغار، هو خداع لأنفسنا، فبينما تصرف ثروات طائلة وتبذل جهود جبارة لتدريس الأولاد في أرقى وأحسن الكليات، تزداد هواجس وقلق ومخاوف الآباء والأمهات أكثر من أبنائهم وهم ينتظرون أمام أبواب المكتبات والمدارس التي تجري فيها امتحانات قبول أولادهم للمرحلة الثانوية والجامعية، كل ذلك في سبيل تأمين مستقبل دنيوي متميز للأطفال، تُرى كم هي النسبة المئوية لهذه الحساسية والمشاعر في سبيل تأمين مستقبل أبدي لهم، أي في الحياة الأخروية...؟
ينبغي ألا ننس بأن تحضير أولادنا بشكل جيد للامتحان الإلهي في هذه الحياة الدنيوية الفانية، هو الامتحان الأهم بالنسبة لنا جميعاً.
إن المسؤولية الأكبر الملقاة على عاتقنا في هذه الأيام، هي مسؤولية أولادنا، لأن النظام التحرري الذي يتحرك اليوم وفق مبدأ "دعهم يفعلوا، دعهم يمروا" يشكل ويقوي الجوانب الأنانية لدى أطفالنا بتسميم عقولهم وأفكارهم وتأجيج الشهوات النفسية والدونية لديهم من خلال البرامج الإعلامية والتلفزيونية السلبية، ومواقع الانترنت المنحرفة، وأشكال الموضى المهيجة، والإعلانات البراقة الخادعة، حيث تتعلق قلوبهم بالمظاهر الدنيوية التي تبهر أبصارهم، ويقعون في فراغ الغربة عن دينهم، وثقافتهم، وتاريخهم، وحتى عن عوائلهم...
ولكل ذلك نجد أنفسنا مضطرين من أجل حماية وإنقاذ أنفسنا وأولادنا، وعائلاتنا، وأقربائنا، وكل مجتمعنا من هذا التيار الجارف، على اتخاذ كل التدابير والإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك.
ندعو الله تعالى أن يرينا السبيل القويم لديننا الحنيف، ويفقهنا فيه، وأن يصبغ قلوبنا وكل أحوالنا بحلاوة الإسلام، وأن يجعله من نصيبنا جميعاً وييسره لنا.آمين!..
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 26، 9/2018
[1] لا بد أن نوضح هنا أنه أحياناً على الرغم من أخذ الإنسان بالأسباب، والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والتوكل عليه في الأمور، رغم ذلك قد لا ينال الإنسان مراده. فمثلاً بعض الأزواج لا يُرزقون بالأولاد بالرغم من حاجتهم وطلبهم الملح لذلك. وفي هذا حكمة كبيرة لله تعالى. لأنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وهو أعلم بما هو خير أو شر لنا. ولا أن ما قدره لنا من أمر خير مما نرغبه لأنفسنا. ومن جهة أخرى فإن حرمان الله تعالى لأحد عباده من نعمة لا يعني على الإطلاق عدم محبته لذلك العبد. حيث أن زوجة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها لم تُرزق بولد. وإن حرمان الله تعالى لأحد عباده من نعمة ما يكون سبباً برفع درجته عند ربه ونيل مكافأة مجزية في الحياة الآخرة إذا ما تجمل بالصبر على هذا الحرمان، وأظهر الرضا بتقيد الله تعالى فيكون ذلك خيراً له من تلك النعمة التي حُرم منها. وبناء على ذلك ينبغي لنا التسليم بما قدره الله تعالى لنا بالرضا به، والصبر والشكر والحمد له في كل الأحوال.