من حِكَم أولياء الله  أبو يزيد البسطامي-رحمه الله- 1

يقول أبو يزيد البسطامي  رحمه الله:

«طوبى لمن كان همه واحداً، ولم يُشغل قلبه بما رأت عيناه وسمعت أذناه. فمن عرف الله فإنه يزهد في كل شيءٍ شغله عنه» (السهلجي، النور، ص، 170؛ العباس، أبو يزيد، ص، 73)

جاء في القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون:  3)

وورد في الحديث النبوي الشريف: «من حُسْنِ إسلامِ المَرْءِ تركُه ما لا يَعنيه» (الترمذي، الزهد، 11؛ ابن ماجه، الفتن، 12)

إن علامة أو شعار المؤمنين العارفين هو حفظ القلب وإبعاده عن كل ما سوى الله؛ أي تطهيره من كل شيء وتوجيهه إلى الله سبحانه وتعالى وحده دون غيره. وإن سبب قدومنا إلى هذه الدنيا ووجودنا فيها هو العبودية للحق سبحانه وتعالى ، ومعرفته؛ أي معرفة الله سبحانه وتعالى بالقلب. وإن قلب المؤمن الذي يُوفق إلى هذا الأمر يكون بحالة دائمة من الذكر، والفكر، والشكر وهو يتأمل بعظمة الله تعالى وقدرته، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.

ومن أهم غايات وأهداف التربية المعنوية تحصيل المبدأ أو الدستور القائل: "اليد عند العمل، والقلب عند الحبيب". وهذا الدستور لا يقتصر سريانه على العبادات فقط، وإنما يشمل سائر الشؤون الدنيوية، فهو يقتضي توجيه القلب إلى الله تعالى، وعدم الغفلة عنه في كافة مناحي الحياة وحتى أثناء الانشغال بالأمور الدنيوية. وبذلك فإنه يعني بلوغ حالة من الذكر الدائم.

تُعد هذه الحالة وسيلة لبلوغ نور البصيرة والفراسة واليقظة المعنوية الذي من شأنه توجيه القلب نحو الرضا الإلهي، وحفظه من الأهواء والانحراف نحو الذنوب والمعاصي. إذ جاء في القرآن الكريم:

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (الحشر:  19)

فالذنوب تُقترف عندما يغفل القلب عن الله تعالى. إذ لا يمكن لقلبٍ ذاكرٍ أن يعرقل منافع أخيه ويبيِّت له الشر. ومن قلبه حي بذكر الله لا يكسر القلوب، ولا ينتهك حقوق العباد عمداً، ولا يقترف المحرمات.

واعتبر أبو يزيد البسطامي هذه الحالة من الاستقامة أعظم وأفضل من الكثير من الكرامات. فقد قيل له ذات يوم:

أنت تمشي على الماء!. فقال: عود من الحطب يمشي على الماء. فقيل له:

وتطير في الهواء!.  فقال: الطير أيضاً يطير في الهواء. قيل:

وتصل إلى الكعبة في ليلة. قال:ساحر يأتي من الهند إلى دماوند -وهو جبل قرب همذان- في ليلة. قيل: فما شغل الرجال؟ قال: ألا يتعلق قلب الرجل بغير الله تعالى. (العطار، تذكرة الأولياء، ص، 201؛ السراج، ص، 316؛ العباس، أبو يزيد، ص، 98)

ويقول أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى:

«كثرة الذكر ليست بالعدد بل بالحضور دون الغفلة». (العطار، التذكرة، ص، 198)

فلا تتحقق الفائدة المرجوة من فيض وروحانية الذكر إلَّا إذا اشترك فيه اللسان والقلب معاً. إذ من الضروري القيام بالذكر بانسجام قلبي وبدني معاً شأنه كشأن الصلاة. أي ينبغي عند الذكر باللسان تأمل وتعمق العقل والذهن في معانيه.

فينبغي علينا أن نتوجه إلى الحق سبحانه وتعالى ونحن على يقين وإدراك تام أننا نقف بين يديه، وأنه يرانا حيثما تحركنا، وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد. فبمثل هذا التوجه تتحقق حالة "الحضور" في القلب. والذي يقصده العارفون بعبارة الحضور هو حالة "الذكر الدائم" التي تحصل عن طريق الشعور بالمعية مع الله تعالى في القلب، وليس الراحة على الصعيد البدني.

إن الانتعاش أو الحيوية المعنوية التي يضفيها على القلب إدراك وإحساس المرء بوقوفه الدائم في الحضرة الإلهية تصعد بالذكر إلى أعلى وأسمى مقاماته ومراتبه. ويتحدث الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن أهل الذكر الحقيقيين الذين بلغوا كمال الذكر، فيقول:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال:  2)

إذاً؛ فالمراد من الذكر ليس ترديد الأوراد باللسان فحسب، وإنما المراد خشوع القلب واختلاجه نتيجة التفكر بمعاني الأسماء والصفات التي يرددها اللسان، واشتراكه في الذكر مع اللسان.

قال مولانا جلال الدين منادياً الذين يتعبدون بصورة شكلية وهم محرومين من فيوض القلب:

«أيها الغافل! ليتك عندما تسجد تتوجه إلى الحق سبحانه وتعالى بصدق وإخلاص، وتدرك معنى قولك: (سبحان ربي الأعلى) بما يليق به. أي ليت سجودك لم يكن شكلياً، وإنما كانت سجدة قلبية (بحيث تصعد بك إلى المعراج)».

إن العبادات التي تؤدى بغفلة وهي خالية من الخصال والأحوال القلبية مثل الإخلاص، والتقوى، والخشوع تكون مليئة بالشركاء الفانيين، والأدران والأوساخ المعنوية. لذا من الضروري للغاية أداء العبادات بإخلاص. فقد ورد في الحديث النبوي:

«أخلص دينك يكفك العمل القليل» (الحاكم، المستدرك، 4، 341)

أي أن الأعمال التي تؤدى بقلب صادق مخلص، وهي صافية من كل نية مشوبة بما سوى الله سبحانه وتعالى لها قيمة عظيمة عند الله تعالى وإن كانت قليلة. وبالمقابل فإن الأعمال التي تؤدى بقلب غافل بعيد عن الخشوع والطمأنينة والإخلاص ليس لها أدنى قيمة مهما كانت كثيرة. قال الله تعالى في كتابه العزيز:

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ  لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك:  2)

إذا ما تأملنا هذه الآية الكريمة نجد

أن الله سبحانه وتعالى يقول (أحسن عملاً)، وليس (أكثر عملاً). أي إن الله تعالى يولي الأهمية للعمل الحسن وليس للعمل الكثير.

وتُعد الرواية الآتية خير مثال في هذا الشأن: روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لجماعة من أصحابه التابعين:

«أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهاداً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وهم كانوا أفضل منكم.  قيل له: بأي شيء؟

قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة منكم» (الحاكم، المستدرك، 4/135)

إذاً؛ إن قيمة العمل مرتبطة بحالة قلب صاحبه.

والحاصل؛  إن نور الذكر متوقف على حال الذاكر، فكلما حسنت حاله كلما زاد نور الذكر. وإن مرتبة الإنسان المعنوية في التربية الصوفية مرتبطة بصفاء حاله، وليس بازدياد أوراده وأذكاره. أي إنها مرتبطة بأداء العبادات بتناغم وانسجام بين البدن والقلب، وبتكامل الأخلاق وخاصة الرحمة والشفقة، وبالحرص على مراعاة آداب المعاشرة في العلاقات والمعاملات الإنسانية.

فالذكر المقبول عند الحق سبحانه وتعالى هو الذكر الفعلي لا القولي. أي الذكر الذي ينتقل من القال إلى العمل والإخلاص. الذكر الذي تظهر آثاره على شخصية صاحبه، وتؤيده الأعمال الصالحة.

فإذا لم يحمل الذكر صاحبه على التعمّق في التفكير، ولم يُبلغه الطمأنينة والسكينة، ولم يساعد على تكامل أخلاقه، ولم يضف الرقة واللطافة والتهذيب على سلوكه وتصرفاته، ولم يكسبه حس التقوى ولم يرغبه في الأعمال الصالحة فإنه يدل على عدم مراعاته آداب الذكر.

قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: «ما وصل من وصل إلا بالحرمة، وما سقط من سقط إلا بترك الحرمة».

وتُعد مراعاة الآداب في طريق التربية المعنوية الشرط الأول لبلوغ المقصود. فالوصول إلى رضا الحق سبحانه وتعالى ومحبته مرتبط بتعظيم واحترام أوامره، بقدر ارتباطه بتنفيذ هذه الأوامر.

إنَّ أداء العبادات والقيام بالخدمات لوجه الله تعالى بعشق إيماني، ومحبة، ووجد وشوق هي آداب مهمّةٌ من آداب العبودية. لأن الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة لعباداتنا وخدماتنا وأعمالنا.

وقد نُقل أنه جاء إلى أبي يزيد رجلٌ فقال: علمني شيئاً يكون سبباً لنجاتي. فقال:

احفظ حرفين من العلم، واعلم أنك لا تحتاج بعدهما إلى شيءِ:

1)  اعلم أن الله مطلع عليك ويراك (أقرب إليك من حبل الوريد).

2)  واعلم أن الله تعالى لا يحتاج إلى عملك. (العطار، التذكرةـ ص، 191)

ولا ريب أن المهم عند الحق سبحانه وتعالى هو حال القلب لدى أداء العبد واجب العبودية، وأهمية هذه الحال لا تقل عن القيام بواجب العبودية ذاتها. وأعني بحال القلب مستوى الإخلاص، والمجاهدة، والتشوق، والأدب، والاحترام والتعظيم.

فقد قيل: «الأدب في العمل علامة على قبوله».

وقيل أيضاً:

«العبادة تأخذ الإنسان إلى الجنة، وأما الأدب والتعظيم في العبادة فإنه يأخذ العبد إلى الله ويقربه منه».

ومن مظاهر هذه الحساسية فقد كان الشيخ سامي أفندي، وموسى أفندي بمقتضى تعظيمهما للصلاة يحرصان حتى على تسوية سجادة الصلاة وترتيبها.

ويقول أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى:

إنّ مفتاح الجنّة كلمة التّوحيد، وله أسنان أربع لا ينفتح الباب إلاّ بها:

1) السّن الأوّل: تطهير القلب من الشك والشرك والخيانة.

2)  السّن الثاني: تطهير اللسان من الكذب والغيبة والنميمة.

3)  السنّ الثالث: تطهير البطن من الحرام والشبهة.

4) السّن الرّابع: تطهير العمل من العجب والرّياء والبدعة. (هانئ، الحدائق، ص، 320)

ويقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (أبو داوود، الجنائز، 15- 16/3116؛ أحمد، 5، 247)

ولكن إن كنا نريد أن يكون آخر كلامنا كلمة التوحيد فلا بد أن نبذل قصارى جهدنا ليشمل مضمون هذه الكلمة كافة نواحي حياتنا.

وكما قيل في الخبر: «كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون» (المناوي، فيض القدير، 5، 663)

فإذا أردنا أن نعيش حياتنا كما تبينها لنا كلمة التوحيد فينبغي أن ننظم ونبرمج عقولنا، وقلوبنا، وألسنتنا، ومعدتنا، وسائر أعضائنا، والأفعال والتصرفات التي تصدر عنَّا وفق ما تقتضيه عقيدة التوحيد، أي نغربلها بغربال التوحيد.

ويجب أن ننظم حياتنا في ميادين الحلال والحرام، والحق والباطل، والخير والشر، والصح والخطأ، والحسنة والسيئة تحت مظلة التوحيد وإرشاده.

ولا ننسى أبداً أن عقيدة التوحيد لا تقبل الإشراك بشكل من الأشكال. فكما أن المسلم صاحب عقيدة التوحيد لا يقبل بالآلهة الباطلة المنتشرة في العالم الخارجي، فإن عليه إن كان يؤمن بالحق سبحانه وتعالى رباً واحداً أن يزيل كافة الأحوال والخواطر الداخلية التي من شأنها مناقضة معنى التوحيد وروحه. ينبغي تطهير القلب الذي هو مقر الإيمان من الأصنام والأوثان النفسانية مثل الغرور، والعجب، والكبر، والرياء، والأهواء والشهوات كما طهر إبراهيم عليه السلام المعبد من الأصنام وكسرها. إذ جاء في القرآن الكريم:

{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الفرقان:  43)

وورد في الحديث النبوي: «ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع» (الهيثمي، 1، 18)

فإذا أراد الإنسان أن يتعمق ويغوص في حقيقة كلمة التوحيد، ويصبح من أهل التوحيد بحق فلا بد له أن ينقي قلبه من كافة الأهواء والرغبات والشهوات التي توقعه في حالة الغفلة عن ربه سبحانه وتعالى بقول "لا إله"؛ ثم يغرس في أرضية هذا القلب الصافية والنقية حقيقة "إلا الله"، ويخصص عرش قلبه لله تعالى وحده دون غيره.

لقد أزال إبراهيم عليه السلام كافة أشكال المحبة الفانية من قلبه حتى صار قلبه مظهراً لتجليات جمال الحق سبحانه وتعالى. وبذلك فإنه وصل إلى حالة أصبح فيها خليل الله تعالى.

ولهذا فإن الخطوة الأولى على سلم التكامل المعنوي في التصوف هي "التخلي"، أي تخلية العالم الباطني من كل ما يبعد العبد عن الله تعالى بالتوبة الصادقة، والاستغفار، ودموع الندم.

وأما الخطوة الثانية فهي "التحلي"، أي تحلي العالم الباطني للعبد بكافة الأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة والحسنة التي تجلب رضا الحق سبحانه وتعالى ومحبته.

وأما الخطوة الثالثة فهي "التجلي"، أي أخذ نصيب من تجليات معرفة الله ومحبة الله تعالى...

يقول أبو يزيد البسطامي رحمه الله في إحدى مناجاته للحق سبحانه وتعالى:

«ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير، إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير» (أبو نعيم، الحلية، 10، 34)

إن محبة العبد لله تعالى، وطاعته وعبادته له، وتضرعه إليه، والتضحيات التي يقدمها في سبيله لا تُكسب الحق سبحانه وتعالى شيئاً. لأنه هو الصمد، حيث إن الكل محتاج إليه، وهو منزه ومستغنٍ عن كل حاجة. لذا فإن شتى أصناف عبادتنا للحق سبحانه وتعالى وطاعاتنا له ليس تكريماً له، وإنما تكريم منه لنا.

وكما قال الشيخ سعدي رحمه الله:

"اشكرِ الله لتوفيقه إياك إلى عمل الخير. إذ إن الحق سبحانه لم يتركك سدى بلطف وإحسان منه.

فالذي يخدم السلطان لا يستطيع أن يمننه. وإنما هو الذي يمتن للسلطان لاستخدامه إياه".

لذا فإن شكر الحق سبحانه وتعالى والعبودية له من أعظم النعم بالنسبة للمؤمن وأسمى درجات العزة والشرف والسعادة.

وبالمقابل فإن نقص مشاعر العشق والتشوق في العبودية دليل على ضعف الإيمان، ونكران النعم المادية والمعنوية، وهو علامة من علامات النفاق. حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في شأن المنافقين والغافلين:

{...وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء:  142)

وبناء على ذلك إذا أراد المؤمن أن ينال محبة الله ورضاه فعليه أن يقوم بكافة عباداته، وصدقاته، وخدماته، وتضحياته دون أدنى شعور بالضيق أو التأفف، بل يجب أن يقبل إليها بشوق وحماس، ومحبة، وبشعور بالامتنان لله سبحانه وتعالى.

فإذا جاءنا أحد بهدية لها قيمة كبيرة، ولكنه قدمها لنا بوجه عابس متجهم، وبدون رغبة وتودد فإننا لا نتلقاها بقبول حسن. إلا أنه إذا ما قدمها بأدب وبوجه بشوش يدل على محبته وصدق رغبته فإننا نتلقاها بقبول حسن ونشعر بالمحبة تجاهه حتى وإن كانت الهدية شيئاً قليلاً.

وهذا الأمر ينطبق على دعاء العبد لربه، وأدائه عباداته، وعبوديته. فكلما كانت الأعمال التي نقوم بها لوجه الله تعالى بعشق وحماس ورغبة كلما ارتفعت قيمتها عند ربنا سبحانه وتعالى.

ومن جهة أخرى يجب على المؤمن أن يشعر تجاه ربه الذي أوجده من العدم بحالة من التقصير،  والفناء، والفقر، والعجز، والتواضع. فلا يغترن بعمله أبداً؛ وعليه أن يلجأ دائماً إلى مولاه سبحانه وتعالى رجاء رحمته ومغفرته.

فقد طلب خالد البغدادي رحمه الله تعالى الذي كان شمس الشموس في العلم والعرفان، طلب في أحد مكتوباته إلى أحد تلامذته الدعاء لنفسه بحسن الخاتمة. وعبر في أحد مكتوباته إلى أخيه عن منتهى شعوره بالتواضع والفناء، حيث قال:

«والله ما أعتقد أني عملت خيراً منذ أن ولدتني أمي... وأقصى درجات الجهالة أن لا ترى نفسك مفلساً في كل أعمال الخير. وإياك أن تقطع رجاءك من رحمة الله وأنت ترى نفسك مفلساً! ففضل الله تعالى وإحسانه خير للعبد من أعمال الإنس والجن جميعاً...».

يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا...} (الفرقان: 63)

أي أن المؤمن الكامل يعيش الحياة ويسير في دروب الدنيا وهو مدرك تمام الإدراك عجزه، وضعفه، وتقصيره أمام عظمة الخالق وقدرته التي لا حدود لها. لأنه من الاستحالة أداء دين الشكر على نعم الله تعالى بحقه.

فالله سبحانه وتعالى خلقنا من العدم، وجعلنا من الإنس الذي يُعد أشرف المخلوقات من بين كل الكائنات، وجعلنا من أهل الإيمان من بين البشر جميعاً، وأكرمنا بالانتماء إلى أمة أحب رسله إليه، وشرفنا   بخطاب القرآن الكريم. ولو بقينا ساجدين مدى العمر دون أن نرفع رؤوسنا لحظة واحدة فإننا لن نوفي حق شكر هذه المكرمات الجليلة.

من ثم نزيد من شكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة، وهذا الإحسان والتكريم الفريد. ومن جانب آخر:

علينا أن نستغرق بالتفكير في قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر: 8)

ونزيد من الحمد والتسبيح والشكر لله تعالى على كافة نعمه - التي نعرفها والتي لا نعرفها -. ونحن عاجزون عن الإيفاء بالشكر لله بصورة تليق به فلذلك ينبغي أن نداوم على الاستغفار وطلب العفو.

لما نزلت هذه الآية الكريمة قام رجل محتاج لا يملك من أموال الدنيا شيئاً فقال: يا رسول الله هل علي من النعمة شيء؟

قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم الظل والنعلان والماء البارد» (السيوطي، الدر المنثور،  8، 619)

فالنبي عليه الصلاة والسلام يشير بذلك إلى أنَّ الإنسان الذي يعتقد أنه لا يمتلك شيئاً لكنه في الحقيقة إنما يتقلب في كثير من النعم التي سوف يُحاسب عليها يوم القيامة.

والحاصل؛

يجب على المؤمن أن يعلم جيداً أن محبته للحق سبحانه وتعالى وخضوعه له بالعبودية من أعظم النعم التي يعجز عن أداء حق شكرها. إذ إن الله سبحانه وتعالى إنما يهب محبته للعبد الذي أحبه. وانطلاقاً من ذلك يجب أن نكون ممتنين للعبادات، والخدمات، والتضحيات التي نوفق إليها والتي من شأنها جلب رضا الله تعالى ومحبته.

فكما ورد في الحديث النبوي الشريف أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

«كان من دعاء داوود: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك» (الترمذي، الدعوات، 72)

إذاً؛ يجب علينا البحث عن الوسائل التي تقربنا إلى حب الله تعالى والتمسك بها. ولا شك أن أكبر وأعظم هذه الوسائل هو تطبيق سنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أحب خلق الله إليه. لأن أقواله، وأفعاله، وأحواله إنما هي تفسير حي للقرآن الكريم الذي يعبر عن الإرشادات الإلهية.

وبناء على ذلك فإن اتخاذنا لحبيب الله تعالى قدوة ومثلاً أعلى لنا في كل شؤوننا وبقدر طاقتنا أعظم وسيلة لمحبة الحق سبحانه وتعالى...

نسأل المولى سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً إلى الأحوال والأعمال التي تبلغنا رضاه ومحبته.آمين!...

نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 27، 1/2019