مقابلة الشر بالخير
{وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد، 22)
إن ديننا العظيم بكل قاعدة من قواعده هو عبارة عن منظومة شعرية التي تحتوي على كافة الأخلاق الحميدة التي تنعكس من نور الإيمان على جميع مجالات الحياة.
وكما قال سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الشريف: »بُعثت لأتمم حسن الأخلاق« (موطأ مالك، حسن الخُلق، 8)
فإذا أردنا أن نكون من المؤمنين الحقيقيين فيجب علينا أن نتعمق في مقاييس الأخلاق التي أمرنا الإسلام التحلي بها، وأن نستفيد من انعكاس بريق هذه الأخلاق على كل صفحة من صفحات حياتنا. وإن لم نفعل ذلك فسوف نزعزع كرامتنا ونفقد سعادتنا الأبدية.
لقد أعطى سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم – بما تميز به من أخلاق رفيعة وعظيمة – هدية للبشرية جمعاء، وهي حضارة التخلق بالأخلاق الحميدة وحسن المعاملة مع الناس. وإن أولياء الله وأحباءه هم ورثة الأنبياء والرسل عليهم السلام. لأنهم تابعوا وبكل صدق وإخلاص طريق الفضيلة التي مشوا فيه، وحرصوا على أداء سننهم المباركة.
وإن أهم الفضائل في الأخلاق المثالية للأنبياء والرسل، والصالحين والأولياء هي: العفو والصفح لوجه الله عن الأذى والتعذيب الذي يواجهونه في سبيل الله أيضا. ومقابلة الشر والأفعال القبيحة بالخير والحسنة.
وبذلك يكون أولياء الحق سبحانه وتعالى قد نقلوا الناس من حولهم إلى قصور قلوبهم التي امتلأت بالرحمة والعطف، لكي يوقظوا عقولهم ويُحيوا صدورهم التي تحولت إلى أماكن مهجورة وخالية من الخصل الحميدة، وبعيدة عن لباقة ولطافة ورقة الإسلام. وهذا الخلق هو في نفس الوقت أسعد خبر يتلقاه الإنسان في رمقه الأخير.
فمن أراد أن ينال عفو الله سبحانه وتعالى ورحمته، فعليه أن يعفوويصفح عن الناس على أخطائهم وعثراتهم، وأن يقابل الشر الذي يواجهه من الآخرين بالخير. وعليه أن يتخذ ذلك دستوراً له في حياته. حيث أن جميع الشخصيات القدوة التي أرسلها الله سبحانه وتعالى كالأنبياء والرسل والصالحين والعلماء والمرشدين، كانوا يتحلون بهذه الأخلاق الحميدة والرفيعة.
لا تثريب عليكم اليوم...
إن تعامل يوسف عليه السلام مع إخوانه، إنما هو نموذج مثالي عن إصلاح من يعمل السوء وردعه عن عمله بمقابلته بفعل الخير والحسنات. ففي نهاية القصة التي وردت في القرآن الكريم، كان يوسف عليه السلام في وضع يسمح له بسهولة القدرة على الأِنتقام من أخوته على ما فعلوه له سابقاً. ولكنه لم يعاقبهم ولم يوبخهم، بل قام بتقديم عدد لا متناه من المساعدات والتسهيلات لهم. فبُهت إخوته أمام هذه الفضائل التي قدمها لهم وأقروا معترفين بحقيقة الخجل والإحراج الذي أصابهم قائلين: {...أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ...} (يوسف، 90)
فأبدى لهم سيدنا يوسف عليه السلام فضيلة أخرى بما تكلم معهم بأسلوب لين وأنيق ومعزز لعلاقات الأخوّة المبنية على التسامح والعفووالصفح، وكما ورد في الآية الكريمة: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ...} (يوسف، 92)
وهذه هي الفضيلة الحقيقية، وهي أن تعفووتصفح عن الآخرين بنية كسب الأجر والثواب في الآخرة. وخاصة إذا كنت في وضع المقتدر على المعاقبة او الأتقام. إن الأنتقام من أي شخص، أو الأنفعال لأي أمر شخصي هو إشباع للغريزة النفسية. وهو وسيلة لأِستعراض القوة والمباهاة والأفتخار بها. والمؤمن الذي حصل على هذا الإمكان وهذه الفرصة لوأنه استطاع أن يكبت غضبه وفورانه، ويعفوويصفح عن من أغضبه، ويحسن إليه، فإن ذلك يدل على الأصالة الروحية التي لا مثيل لها. لأن كبت الإنسان لمشاعر الأنتقام والغضب، والعفووالصفح من بعد ذلك، ليس بالأمر السهل أبداً.
وإن قسم الغضب في كتاب الحياة هو عبارة عن أكثر الأقسام المليئة بالحوادث والنتائج المؤلمة والمروعة على مر العصور والأزمان. فالغضب هوحالة جنون قصيرة ومؤقتة يكون العقل فيها خارجاً عن السيطرة. وإن أفضل طريقة للخلاص من هذه الحالة هي أن يتحلى الشخص بالأخلاق التي تجعله يكسب الأجر الكبير والثواب الوفير عند الله سبحانه وتعالى ، كالعفووالصفح والحِلم.
ومن يتميز بهذه الصفات الحميدة والرفيعة فقد بشرهم الله سبحانه وتعالى وقال عنهم كما ورد في الآيات الكريمة:
{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران، 133–134)
إني لم أبعث لعانًا...
إن حياة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم حافلة بقمم مظاهر القدرة على مقابلة الشر بالعفو وفعل الخير. وبإمكانه صلّى الله عليه وسلّم بعطفه ورحمته وحبه أن يحيط العالم بأسره بالخير والهناء. لأنه قد أُرسل رحمة للعالمين. وطُلب يوماً من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يلعن المشركين الذين بالغوا جداً في إيذائه وتعذيبه. فقال عليه الصلاة والسلام:«إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة» (مسلم، البر، 87)
لأن روحه الزكية بكونها منجم لا مثيل له للعطف والرحمة والشفقة ورقة القلب. وكان هدفه الأكبر صلّى الله عليه وسلّم هو نجاة البشرية بأكملها.
وعندما ذهب سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى الطائف لتبليغ الرسالة، قابله أهل هذه المدينة الجهلاء وعَبدة الأصنام برميه بالحجارة حتى أدموا قدمه الشريفة. فبينما كان صلّى الله عليه وسلّم في طريق العودة ويمشي حزيناً ًومهموماً، أرسل الله جلّ جلاله جبريل عليه السلام مع ملَك الجبال ليخففوا عليه ويهدّئوا من روعه. فقال ملك الجبال أنه إذا أراد النبي صلّى الله عليه وسلّم فإنه باستطاعته أن يطبق الجبلين على رؤوس أهل الطائف جميعاً. ولكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي أرسل رحمة للعالمين رفض وقال:
«لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا» (البخاري، بدء الخلق، 7؛ مسلم، الجهاد، 111)
وقاوم أهل الطائف واستمروا على الإلحاد حتى السنة التاسعة للهجرة. وكبّدوا المسلمين خسائر كبيرة، مادية ومعنوية. وفي النهاية لم يستطع المسلمون الصبر عل ذلك أكثر، فناشدوا النبي صلّى الله عليه وسلّم قائلين: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم قال: «اللهم اهد ثقيفاً وَأْتِ بِهِمْ».
وبعد فترة من الزمن جاء أهل الطائف إلى المدينة المنورة، ونالوا شرف الدخول في الإسلام. (انظر: الترمذي، المناقب، 73/3942؛ ابن هشام، 4، 134)
وقد شكل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نموذجاً مثالياً عن إحدى أكبر مظاهر الفضيلة الرفيعة والخلق الرائع يوم فتح مكة المكرمة. حيث كان المشركون قد ظلموا المسلمين لسنوات طويلة ظلماً وقهراً لا يُحتملان. وأَروْهم جميع ألوان العذاب بدون رحمة. ثم جاء ذلك اليوم الذي وقع فيه مشركوا مكة أسرى في يد المسلمين. وكانت الكلمة التي ستخرج من بين شفتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كافية لأن ينالوا العذاب الشديد والعقاب الذي يستحقونهُ. ولكن النبي صلّى الله عليه وسلّم سألهم: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف لإخوته:
{لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف، 92) اذهبوا فأنتم الطلقاء» ( ابن هشام، 4. 32؛ الواقدي، 2، 835)
فتلاشى البغض والحقد في قلوب أهل مكة، تجاه المسلمين بسبب هذه الفضيلة الرفيعة والأخلاق الحميدة التي أبداها رسول الله عليه الصلاة والسلام والتي تعبر عن العطف والرحمة. وبذلك عَمَّت ْفي قلوبهم مشاعر الحب والأخوة والصدق والإخلاص. ونال الكثيرون منهم شرف الدخول في الإسلام، وامتلأت قلوبهم بحرارة الإيمان. وكأن الآية الكريمة التالية قد تجلّت على أهل مكة المكرمة ذاك اليوم:
{وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت، 34)
وفي الحقيقة فإن ابن آدم يتأثر بالإحسان والفضيلة ويضعف أمامهما. وهذه الصفات الحميدة كافية لإصلاح نفوس أكثر الأعداء شراً، ولنشر المحبة والأحترام بين الناس.
أفضل وسيلة لدفع البلاء...
ليس من الحكمة أن تحسن لمن أحسن إليك وتظلم من ظلمك. بل الحكمة الأساسية هي أن تحسن لمن ظلمك وآذاك. لأنه إذا أحسن الشخص لمن ظلمه فسيكون سبباً في زوال وتلاشي البغض والحقد والكره والعداوة بينهما. فإذا كانوا أعداء سابقا فسيصبحون أصدقاء متحابين نتيجة ذلك التصرف الناضج. وإذا كانوا في الماضي أصدقاء ولكن لعب الشيطان دوره بينهما وأبعد كُلاً منهما عن الآخر، فسوف تزول كل المشاكل وسيتقربون إلى بعضهم البعض بعد ذلك التصرف. أما إذا كانوا حميمين متحابين سابقا، فسوف تزداد المحبة والصداقة والإخلاص بينهما. ويصبح الخير والإحسان بمثابة الستارة التي تمنع الشخص من العودة إلى الظلم وعمل الشر عندما يُقابل عمله السيئ بالعمل الخيّر والإحسان من قبل الآخرين.
وشرح سيدنا جلال الدين الرومي هذا الخلق النبوي الرفيع شرحاً جيداً ووافياً، حيث قال:
«اعلم أن رحمة الله جلّ جلاله هي وبشكل دائم غالبة على عذابه وسخطه. ومن هذا المنطلق فقد تغلب جميع الأنبياء والرسل على أعدائهم الذين كانوا ضدهم».
وقد عرض سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم فضيلة العفو والصفح في كثير من المواقف التي كان بإمكانه فيها أن يعاقب المجرمين بكل سهولة. بل فضل صلّى الله عليه وسلّم أن ينجّيهم نجاة أبدية في السعي في إصلاحهم بقيامه بهذه التصرفات الرفيعة المبنية على الأخلاق الحميدة. لأن العظمة الحقيقية والحكمة هي أن تستطيع أن تسيطر على نفسك أثناء الغضب. وأن تعفووتصفح عن غريمك وتحسن إليه في وقت تملك فيه القدرة والفرصة للأِنتقام مِنه ومعاقبته.
وكما قال سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الشريف:
«ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (البخاري، الأدب، 76)
وقد بشر الله جلّ جلاله من تحلى بهذه الصفات الحميدة فقال كما ورد في الآية الكريمة:
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشورى، 40)
ومن صفات سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم المميزة، عدا عن عفوه وصفحه عن الغير على تقصيراتهم وأخطائهم وعثراتهم، أنه يقابل الشر بعمل الخير، وذلك لتأسيس وغرس مفاهيم الأخوة والصداقة والطمأنينة بين الناس. ويجب علينا بصفتنا أمة لهذا النبي العظيم صلّى الله عليه وسلّم ، أن نتحلى بهذه الصفات الحميدة. ولا يليق بالمؤمنين الحقيقيين أن يجعلوا المسامحة والعفووالصفاء بين القلوب وقفاً على الأعياد وأيام المناسبات فحسب. بل إن اتخاذ تلك الصفات نمطاً طبيعياً ونهجاً أساسياً في الحياة، هو علامة الإيمان الحقيقي والمتكامل. وهذه الأحاديث الشريفة التالية تقدم لجميع المسلمين معايير ومقاييس لا مثيل لها عن الأخلاق التي تبين لنا عظمة أُفق النبي الكريم محمد صلّى الله عليه وسلّم في هذا المضمار، فورد في الحديث الشريف:
«لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا» (الترمذي، البر، 63)
«اتَّق الله حيثما كنت، وأتْبع السّيّئة الحسنة تمحُها، وخالق النّاس بخلق حسن» (الترمذي، البر، 55/1987)
يجب التذكير بأنه علينا أن لا نظن أنه من الحكمة والفضيلة أن نميل إلى العفو عن الآخرين على جميع الأخطاء والتقصيرات. فموضوع العفو والصفح هو ما يهم شخصية وكرامة الشخص الذي أخطأ الناس بحقه أوظلموه. وهناك أخطاء وتقصيرات بمثابة التهجم على المقدسات الدينية والوطنية التي يحترمها ويقدسها المجتمع بكافة أفراده. فيجب في مثل هذه المواقف أن نلجأ إلى العقاب والجزاء للإصلاح، بدلاً من العفووالتجاوز عن تلك الأخطاء.
وذلك لإعلان الحق والباطل لتحقيق العدالة. لأنه من الوارد في مثل هذه الحالات إذا عفي عن مجرم، أن يُسبب ذلك تجاوزاً ًعلى حقوق الآخرين، وظلم الناس وظلم المجتمع بأسره.
وكما أن الغضب في الوقت والمكان الغير المناسبين يسبب الفساد والفتنة، فإن عدم الغضب في الوقت والمكان الذي يجب أن يغضب فيهما الإنسان يسبب نفس النتيجة أيضاً. وهذه النتيجة إنما هي تحلل أخلاقي وضعف في التربية الأِجتماعية. فالبغض في سبيل الله سبحانه وتعالى عند الضرورة هو أيضاً من مقتضيات الإيمان. ففي الحروب على سبيل المثال، فكون المسلم شديد وقاس تجاه عدوه، هو تعبير أصيل وصحيح عن الغيرة الإيمانية، والغضب في الله جلّ جلاله. وهذا هو علامة التمسك بالدين وحب الوطن في نفس الوقت. وإظهار الشدة والغيرة نفسها تجاه الذنوب التي تُرتكب بحق المفاهيم والقيم المعنوية والوطنية، وبحق حقوق المجتمع، إنما هي علامة تشير إلى أصالة الإيمان وترسخ العقيدة في النفوس.
وحياه سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم مليئة بالأمثلة القيّمة والرفيعة عن المعايير والمقاييس الأخلاقية التي تدل على الفضيلة وحسن الأخلاق. وشكل صلّى الله عليه وسلّم نموذجاً مثالياً لأمته ليس بالعفووالصفح عن من يخطئ بحقه ومن يتجاوز على حقوقه الشخصية فحسب، بل وكان يبدي قمة الفضيلة بالإحسان إليه أيضاً.
والعفو عن عباد الله جلّ جلاله مرة تلوالأخرى بهدف الوصول إلى مرتبة استحقاق عفو الله سبحانه وتعالى ورحمته، هو أفق وهدف لا يمكن الأِستغناء والتخلي عنه بالنسبة للمؤمنين الحقيقيين.
العيون التي تستطيع أن تذرف الدموع من أجل عدوها ...
إن قصة سيدنا فضيل بن عياض أحد أولياء الحق سبحانه وتعالى هي مثال جميل ومعبّر عن معدن الروح الطيب الذي يتحلى به المؤمنون الحقيقيون. حيث يحكى عنه القصة التالية:
رأى الناس سيدنا فضيل بن عياض يبكي، فسألوه عن سبب بكائه، فقال:
«أبكي من ألمي وحسرتي على مسلم مسكين قد ظلمني. وكل حزني وألمي بسبب الحالة التي سيؤول إليها يوم القيامة بسببي».
وعندما قيل لسيدنا فضيل بن عياض أيضاً:
«إن فلاناً يغتابك، ويتكلم عنك وعن كرامتك بكلام بذيئ».
فقال فضيل: «إني والله لا أغضب منه. بل أغضب من الشيطان الذي جعله يتكلم بتلك الكلمات البذيئة». ودعا لله سبحانه وتعالى بالدعاء التالي:
«اللهم إن كان فلان يقول الحق فاعف عني. أما إن كان يكذب فاعف عنه».
وكما كان حسن البصري، فبدلاً من أن يغضب على أحد اغتابه، كان يشكره بإرسال الهدايا. لأنه كان خير العالمين بأن من يغتاب أحداً أخذ جميع ذنوبه وأضافها إلى ذنوبه. وأعطى بالمقابل حسناته للرجل الذي تعرض للغيبة من قبله ليضيفها على حسناته.
وسيدنا حلاج المنصور... الرجل الصالح الذي حاز على المكان الرفيع في قلوب العلماء وقلوب محبيه. وقد عرض إيثاراً معنوياً وفضيلةً روحانيةً كبيرة، حيث أنه عندما كان يُرجم، كان يدعوالله سبحانه وتعالى بالدعاء التالي:
«اللهم اعف عن من يرجمني قبل أن تعفوعني».
وكان لسيدنا ربيع بن الهيثم حصان أصيل، وكانت قيمته تعادل خمسةً وعشرين ألف درهم. فسرق الحصان يوماً من أمام عينيه وهو يصلي. فبدلاً من يُلاحِقَ اللّصَّ ويحاول القبض عليه، تابع أداء صلاته بكل خشوع. فهرع أصدقاؤه الذين سمعوا بالخبر إليه لكي يهدؤوا من روعه ويواسوه على ما تكبده من ضرر كبير وخسارة فادحة. فقال سيدنا ربيع بن الهيثم: «لقد أحسست باللص بينما كان يحل عقدة الحصان. ولكنني كنت آنذاك منشغلاً بعمل أحبه كثيرا، وهو أهم من ذلك العمل. لذا لم أترك العمل المهم وألاحق اللص».
فشرع أصدقاؤه بعد ذلك بالدعاء على اللص. فأسكتهم سيدنا ربيع بن الهيثم وقال لهم:
«هوّنوا عليكم.. لم يظلمني أحد، بل ظلم ذلك الرجل نفسه. فلا تدعوا عليه وتظلموه فوق ظلمه لنفسه» (بابان زاده أحمد نعيم، أساسات أخلاق الإسلام، ص 85 –86)
كلٌ يبيع ما عنده من متاع...
قال مولانا جلال الدين الرومي:
«إن للماء مئات الصفات الحميدة، كالكرم، فهو يقبل القذرين وينظفهم من أوساخهم ويطهرهم. فعلى المؤمن الحقيقي أن يكون عزيزا كالماء، ومتواضعاً كعمق البحر. ويجب عليه أن يسعى ويجهد لكي تنضج شخصيته نضوجاً كاملاً، يستطيع من خلالها أن يوزّع الرحمة على الآخرين مهما واجه من الأمور التي تغضبه وتزعجه. ويجب أن يتميز بلمعان القلب الذي يعكس اللطافة ورقة القلب وجميع الأخلاق والصفات الحميدة».
وقال سيدنا جلال الدين الرومي أيضاً:
«كن كالتراب.. حيث أن التراب كريم وسخي جداً تجاه جميع الكائنات الحية على الرغم من أنها تدوسه بأسفل أرجلها. فيقدم لها ألذ وأشهى الأطعمة وأكثرها فائدة، بعد أن ينظفها من أوساخها بنفسه».
فكم من أمثلة رائعة يجب أن نقتدي بها إذا تأملنا في النعم التي رزقنا إياها ربنا سبحانه وتعالى، كالتراب والماء. فيجب علينا أن نضع الماء والتراب اللذيْن يشكلان أصل البشرية نصب أعيننا، ونتعمق في حكمة خلق هذين المخلوقين، لكي نستفيد منهما ونتخذ خصلاتهم الحميدة نموذجاً لنا في معيشتنا وأُفُقَاً لحياتنا. آمين...
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 13، 11/2014