مراحل حياة الإنسان

يقوم الناس في هذا العصر بأبحاث كثيرة كي يعيشوا مدة أطول في هذه الدنيا، ويصرفون مبالغ طائلة على الأدوية ومواد التجميل في سبيل ذلك، مع أن العيش القليل أو الكثير لن يكون همَّ أحد وغمَّه في الآخرة التي هي العيش الحقيقي. بل الجميع يومئذ يريد أن يعلم هل جعل من هذه الدنيا التي ليست أمام الآخرة إلا عشية أو ضحاها رأسَ مال لسعادته الأبدية أم أنه ضيَّعها فضيَّعَ آخرته...

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، الحمد لله تعالى الذي أوجدنا من العدم، وخلقنا في "أحسن تقويم" وفضَّلنا على سائر الأمم، ووجَّهنا إلى طريق الهداية بالكتب والرُّسل ذوي العزم والهمم.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الثقلَين، وإمام النبييِّن، والمبعوث رحمة للعالمين، وهادينا وناصحنا الأمين، وشفيعنا يوم الدين، وعلى آله وأصحابه الكرام الأطهار الطيبيِّن...لقد وضعَ الله سبحانه وتعالى خمس مراحـل لحياة الإنسان،

ü أولها: عالـم الأرواح.

ü ثانيها: رحــم الأم.

ü ثالثها: الدنيــا.

ü رابعها: عالَـم البرزخ.

ü خامسها: حياة الخلود في الجنة أو النار.

وجعَل تعالى المرحلة الثالثة من هذه المراحل مرحلة امتحان للإنسان، فربط بين أفعاله في هذا العالَم وبين السعادة أو العذاب في دار الخلود.

يقول الله تعالى:

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (الملك: 2)

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء: 35)

وكل شيء في امتحان الدنيا هذا له وجهان متضادان:الإيمــــان والكفر، والحق والباطل، والخير والشر، والجمال والقبح، والحلال والحرام.

ويختار الإنسان بإرادته أحدهما، فيكون إما: مؤمنًا أو كافرًا، صالحًا أو فاسقًا، عادلًا أو ظالمًا، كريمًا أو بخيلًا، وبذلك يحدِّد في أي من هذَين التيَّارَين سيكون.

ويمر هذان التياران من مضيق الموت إلى القيامة ليصبا في ميدان الحشر، ثم يسيلا إلى جهتَين مختلفتَين.

إننا فـي الدنيا نحرص على جمال المظهر وصلاح الهندام وحسن القوام، لكن كيف ستكون صورتنا في الآخرة؟

فهذا ما ينبغي لنا أن نحرص عليه ونهتم له.

كيف ستكون هيئتنا يومئذ؟

هل ستسوَّد وجوهنا ويعلوها الذِّلة والخزي ويبدو عليها الشقاء والعار؟

أم ستبيَضُّ وتظهر عليها آثار السجود وتشعُّ حسنًا وجمالًا وسرورًا؟

ويخبرنا ربنا سبحانه وتعالى بحقيقة انعكاس سيرة المرء في دنياه على صورته في آخرته بقوله:

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ. أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} (عبس: 38-42)

كيف ستكون أجسامنا يومئذ؟

هل ستكون لنا أجسام بالية تشهد أعضاؤها على أصحابها، وتظهر عليها سوء علامات الذنوب الخفية والظاهرة التي اقتُرِفت في الدنيا، وتُحمَّل من الأثقال ما لا طاقة لها به، وتُوصَم بالعار لِمَا ارتكبت من ظلم وجور؟

أم ستكون لنا أجسام جميلة قوية طاهرة تشع أعضاؤها التي كان يصيبها ماء الوضوء في الدنيا، وينبعث نور الإيمان من أعينها، وتزيِّنها أوسمة الأعمال الصالحة؟

فعلينا ألا ننسى البتة أن ما تكون عليه وجوهنا وأجسامنا لا يحدِّده إلا قلوبنا وإيمانها وما وصلت إليه من درجات. فأصحاب القلوب التي تُنكَت نكتات سوداء في الدنيا فتغدو كسواد الفحم لكثرة ذنوبها سيُحشَرون في ذلة ومهانة وضِعة. أما أصحاب القلوب التي تطهرت من الذنوب بتزكية النفس وتزيَّنت بصالح الأعمال فسيُحشَرون بفضل الله وكرمه ووجوههم مبيضة ناضرة.

فلن يأمن أحد من أهوال يوم القيامة وغياهبها وسوء المنقلب فيها إلا مَن كان مِن أهل الله في الدنيا، فالله تعالى يقول في كتابه الكريم:

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(يونس: 62)

لذلك يرى المؤمنون العارفون أن الغاية من الحياة الدنيا السعي لنيل رضا الله تعالى والتقرب إليه، وبلوغ درجة من الكمال والأدب تليق بالفوز بمشاهدة جمال وجهه الكريم جلّ جلاله في الجنة.

والعجيب أن الإنسان الذي يرى كيف تتبدل أحوال كل مخلوق فان في طاحونة الزمان يخدع نفسه في هذه الدنيا التي يُستضاف فيها لأيام، ويظن أن الموت بعيد عنه مع أنه يرى مشهد الجنائز دائمًا، ويحسب أنه صاحب الأمانات الفانية التي قد يفقدها في أي وقت.

وما أجمل قول مولانا جلال الدين الرومي في هذا الشأن:

«أيها السالك، انظر إلى الصورة الأخيرة في المرآة! وفكِّر في قبح الجميل عند هرمه، ومآل البناء إلى الخراب، ولا تغتر بالكذب في المرآة».

فالإنسان حينما يُجعَل لروحه لباس الجسد ويدخل الدنيا من بابها، فهو من ساعتئذ سائر على درب الموت.

فمَن عرفَ الموت، لم ينخدع بلذاذات الدنيا الفانية. ومَن أدركَ أنه سائر في رحلة الخلود، لم يقع قلبه في هوى زينة الدنيا التي يُستضَاف فيها لمدة قصيرة ولا في هوى زخرفها.

وما نفع أن يجمع المرء بين يديه نِعَم الدنيا الفانية كلها ويعيش في الدنيا ألف عام في سرور وحبور، إنْ كان مآله إلى حفرة ضيقة تحت التراب؟

والعجب العجاب أن الإنسان يعيش في هذه الدنيا راغبًا في العيش فيها عمرًا أطول، على أنه لا أحد يوم القيامة سيتحسر ويندم ويقول: «يا ليتني عشتُ في الدنيا أكثر»،

بل ستكون حسرتهم على أنهم لم يأتوا الصالحات من الأعمال فيها، لأن الأصل في هذه المسألة: في أي شيء صرفَ الإنسان أنفاسَه في الدنيا.

والقبر في الأساس نموذج عن المحشر وإنْ بدا كومة من تراب ظاهرًا، فهو كما  قال عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام:

«إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» (الترمذي، الزهد، 5/2308)

فكما نرى  في الحديث الشريف أولى منازل الآخرة، وسيكون وفقًا لاتباع صاحبه أوامر الله سبحانه وتعالى في الدنيا، ولا شك أن حياة القبر من الأمور التي تقض المضاجع، لأن الإنسان غير مطَّلع على ما سيؤول إليه تحت التراب.

غير أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أخبرنا بتفصيل عن حياة القبر التي قال عنها:

«إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» (الترمذي، القيامة، 26)

فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت:

«قام رسول الله عليه الصلاة والسلام خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة» (البخاري، الجنائز، 87)

لا بد لكل إنسان محكوم بامتحان العبودية في مدرسة الدنيا هذه أن يصل إلى عالَم البرزخ ويُسأل في القبر الذي سيوضع فيه بعد أن تنفد أنفاسه المعدودة، حتى الذي لم يُوضَع في القبر بل حُرِق أو غرق أو صار طعامًا للحيوانات في الصحراء.

عن البراء بن عازب رضي الله عنه ، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

«إذا أُقعِد المؤمن في قبره أُتِي، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ....} ( إبراهيم: 27) » (البخاري، الجنائز، 87؛ تفسير، 14، 2/4699)

وقد ذكرنا من قبل أن الحياة الدنيا المكان الوحيد الذي نستطيع فيه أن نعمل صالحًا كي نفوز في الآخرة، فالحياة حقيقة سامية لا تسعها المسافة بين المهد واللحد.

وإذا كان الجواب عن سؤال "ما الحياة؟" السؤالُ الذي قد يخطر على بال الإنسان، هو سواد التراب وحجارة القبر، فماذا يمكن أن يكون أشد ألمًا من هذه الحياة؟ إن حياة كهذه ليست إلا لعبًا في الطفولة، وشهوة في الشباب، وغفلة في الرشد، وحسرة وندامة في الشيخوخة.

أما المؤمنون العارفون الذين يرون الحياة من منظور الإيمان، فيعيشون أعمالهم بدِقَّة ورِقَّة مدركين الحياة الحقيقية بعد الموت. فلا بد من وجود إيمان حقيقي لدى الإنسان كي يستعد حق الاستعداد لرحلة الخلود، فكل إنسان سيرى جزاء أعماله الصالحة منها والطالحة يوم العرض الأكبر.

ولا شك أن الموت أصعب حقيقة سيلقاها كل إنسان، ولا يمكن لأحرف الكلمات أن تحمل ثقل الموت! وموت الناس حولنا دروس صامتة معبرة تعرض للقلوب الرقيقة عِبرًا وحِكمًا وحقائق أبلغ تأثيرًا وأشد وقعًا من أفصح العبارات. وما أعظم المعاني التي يدفنها الموت بلسان حاله في صمت مُطبِق، للذين يسمعون ويرون ويعون...

رأى الحسن البصري شيخًا في جنازة، فلما فرغ من الدفن، قال له الحسن: يا شيخ! أسألك بربك: أتظن أن هذا الميت يود أن يُردَّ إلى الدنيا فيزيد من عمله الصالح، ويستغفر الله من ذنوبه السالفة؟، فقال الشيخ: اللهم نعم! فقال الحسن: فما بالنا لا نكون كلنا كهذا الميت؟! ثم انصرف وهو يقول: أي موعظةٍ؟ ما أبلغها لو كان بالقلوب حياةٌ؟ولكن لا حياة لمنْ تنادي. (ابن الجوزي، آداب الحسن البصري، تحقيق. سليمان الحرش، دار النوادر، 1428، ص29)

ومثَل العمر مثل بكرة لا يُعرَف متى ينقطع حبلها. وليس الأجل موعدًا لا يُعطَى إلا في الهرم. فكل حي يُولَد مُرشَّح للموت، وكل إنسان في سِنِّ الموت. ولو ذهب أحدنا إلى مقبرة، لرأى كثيرًا من الميتين أصغر منه سِنًّا.

لذلك كان تأجيل الصلاة والحج إلى سن التقاعد، وترك التوبة والعمل الصالح إلى الغد المجهول سببًا لخسران كبير. فلسوفَ يأتي على العبد يوم لا غد له! وقد جعله الله تعالى مجهولًا حتى يُعِدَّ له العبد كل لحظة.

لذلك عدَّ دين الإسلام ذِكرَ العبدِ الموتَ و"رحلة الخلود" والتفكر فيهما والاستعداد كل حين علامةً مُبينةً على رجاحة عقله.

إذ لمَّا سُئِلَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أي المؤمنين أكيس؟ قال عليه الصلاة والسلام:

«أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس» (ابن ماجه، الزهد، 31/4259)

إن الموت الذي يأتي ببشرى الفوز في الآخرة لا يكون إلا من نصيب المؤمنين الذين وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بـ"الأكياس". فهؤلاء المؤمنون قد جمعوا دائمًا لآلئ الحقيقة في بحر أعمارهم، وقطفوا ثمار السعادة من بستان الفضيلة، وزرعوا بذور الحمد والشكر والرضا في حديقة الإيمان.

وكما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«اللهم إن العيش عيش الآخرة» (البخاري، الجهاد، 33/2834، الرقاق، 1/6413؛ مسلم، الجهاد، 126/1804)

فعلينا ألا ننسى أبدًا أننا جئنا للدنيا من أجل الآخرة، وأن نسأل أنفسنا دائمًا: إلى أين تصير هذه المخلوقات كلها على كثرة عددها؟ لِمَ المجيء إلى هذه الدنيا ثم الرحيل إلى الآخرة؟ ما العِبَر من كل هذه المواليد والوفيات؟ لماذا وُلِدنا؟ وفي مُلكِ مَن نعيش؟ وإلى أين المصير؟ ما عاقبتنا؟هل نحن مستعدون للحساب يوم المحشر؟ ماذا أعدننا اليوم لآخرتنا؟

لكننا نجد أن هناك محاولات لغرس فكرة أن هذه الحياة "حياةٌ بلا آخرة" في عقول الناس وقلوبهم في ظلِّ نظام رأسمالي ومادي وليبرالي يعيشون تحت نيره هذه الأيام. فالإنسان اليوم كأنه في عصر الجاهلية بما تمليه عليه برامج التلفاز السيئة وصفحات الإنترنت المدسوسة، فنراه محصورًا بين مطرقة حاجاته وسندان مطامعه الدنيوية فلا يرى الحياة إلا في أهواء نفسه.

والحق أن كل عصر تُنسَى فيه الآخرة عصرُ جاهلية، ولا تتغير هذه الحقيقة بتغير الأحوال ومضي الأوقات.

وإذا أمعنَّا النظر في صفات المجتمعات الجاهلية التي أُرسِل إليها الأنبياء، نجد أن أغلبها كانت مبتلاة بغفلة "إنكار الآخرة"، وكذلك كان حال المجتمع الجاهلي الذي قصم الإسلامُ ظهره. وكان أكثر ما يقضُّ مضاجع المشركين أن هذا الدين المبين كان يخبرهم أنهم بعد الموت سيُبعثون وعلى أعمالهم سيُحاسبون.

ويغرق الناس في المجتمع الجاهلي الحاضر في مستنقع الذنوب بظنِّهم أن الدنيا بلا آخرة، وينجرُّون من ظلم إلى آخر ويبيتون في ظلمات بعضها فوق بعض. ونرى الأقوياء يسحقون الضعفاء سحقًا، فيعرِضون بذلك لوحةً للتوحش مخيفة، لأن الإنسان حينما ينأى عن الحقائق الإلهية، يبتعد عن العدل والإنصاف والوجدان، وينسى إنسانيته.

وكثير من الناس في هذه الأيام وقعوا في فخ الإلحاد، أو انبهروا بالفلسفات الباطلة، أو ضَعُف إيمانهم. وحينما يفقد الإيمانُ بالآخرة مكانه في القلب، يميل صاحبه إلى الباطل؛ فالقلب إنْ لم ينشغل بالحق شغلَه الباطل.

فعلينا أن نكثر من محاسبة أنفسنا، ونتساءل لنعرف إن كانت قلوبنا قد تشبَّعت بالإيمان بالآخرة، ونسعى لنصلح في أقرب وقت عيوبنا.

والحمد لله أننا مسلمون، نؤمن بأركان الإيمان بقلوبنا، ونُقِرُّ ذلك بألسنتنا. لكن كم نفضِّل الآخرة على الدنيا إذا اختُبِرنا بمنافع دنيوية؟ كم تستطيع قلوبنا أن تقاوم فيروس حب الدنيا الذي بات وباءً في هذه الأيام؟ كم نجعل حديث «إن العيش عيش الآخرة» أساسًا في حياتنا؟ أي كم يتجسد الإيمان بالآخرة في معاشنا؟

ويدعونا الله تعالى كثيرًا للتفكر في يوم القيامة، فهو يخبرنا عن القيامة في القرآن الكريم لا سيما في أجزائه الثلاثة الأخيرة. ماذا سيحل بالأرض، وكيف ستمسي السماوات، وإلى أي حال سيصير الناس؟ فعلينا أن نتفكر ونتدبر هذه الحقائق ونسعى لنصل إلى أعلى درجات التقوى.

فعلى المؤمن أن يحمل بين جنبيه قلبًا يقلق ويضطرب بذكر يوم القيامة حتى يحافظ على إيمان ثابت وعقيدة راسخة، ويسعى ليعيش حياة عبودية سليمة بقلب يحيا بذكر الموت. فالله تعالى يخبر أمة الإسلام في شخص النبي صلّى الله عليه وسلّم بضرورة إصلاح أحوالهم بذكر القيامة والآخرة دائمًا فيقول: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} (الغاشية: 1)

ولا ريب أن حديث الغاشية أي خبر يوم القيامة قد أتانا، لكن الله تعالى يحذِّرنا وكأنه يقول لنا:

كيف تحيون براحة وكأن خبر يوم القيامة لم يأتكم؟

كيف تحرصون في الدنيا على أمور تافهة لا طائل فيها؟

كيف تضيِّعون أعماركم التي هي رأس مالكم الوحيد وأنتم غافلون؟

ثم يخبرنا سبحانه وتعالى في الآية التي تليها بما ستؤول إليه وجوه الغافلين الذين يلهون في الدنيا، فيقول:

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}(الغاشية: 1)

أما المؤمنون الصالحون الذين لم يغتروا بهذه الدنيا الكاذبة وبذلوا حياتهم الفانية للفوز في الحياة الباقية فوصف لنا ربنا وجوههم بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} (الغاشية: 8)

فعلينا أن نتساءل: في أي الفريقَين سنكون يومئذ؟

إننا في الدنيا نحرص على جمال المظهر وصلاح الهندام وحسن القوام، لكن كيف ستكون صورتنا في الآخرة؟

فهذا ما ينبغي لنا أن نحرص عليه ونهتم له؟

كيف ستكون هيئتنا يومئذ؟

هل ستسوَّد وجوهنا ويعلوها الذِّلة والخزي ويبدو عليها الشقاء والعار؟

أم ستبيَضُّ وتظهر عليها آثار السجود وتشعُّ حسنًا وجمالًا وسرورًا؟

وعلينا أن نذكر دائمًا أن الموت الذي يعد آخر مشهد في الحياة هو كالمرآة الذي سيشاهد فيها كل إنسان عاقبته. فلنحفظ مرآة أنفاسنا الأخيرة من آثار الذنوب والغفلة والمعصية حتى يغدو الموت جسرًا لفوز عظيم لا لخسران مبين.

وعندما ينال الإنسان شهادةً دنيوية، فإن شهادته تلك تبقى مُعترَفَةً طول حياته، لكن الأمر يختلف في الحياة المعنوية؛ إذ لا ضمان لبقاء الحال كما هو، وقد ذكرَ القرآن الكريم أخبار مَن زلَّت أقدامهم عن الصراط المستقيم في أواخر حياتهم، مثل قارون وبلعام بن باعوراء.

فقارون كان عبدًا صالحًا، وكان أفضل مَن يفسِّر التوراة، ثم امتُحِنَ بالغنى، واغترَ بما أوتيَ من مال وبغى على سيدنا موسى ومَن معه، فجرَّه غروره وافتخاره إلى الهلاك.

أما بلعام بن باعوراء  الذي عاش أيضًا في عصر سيدنا موسى عليه السلام فقد كان من المؤمنين الصالحين، لكنه مالَ إلى هوى نفسه، فساءَت عاقبته. قال الله تعالى:

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الأعراف، 175)

ذكَر المفسرون أن المقصود من هذه الآية بلعام بن باعوراء الذي كان من قوم موسى عليه السلام. وكان بلعام من المؤمنين بسيدنا موسى عليه السلام ، لكنه كفَر من أجل منافع دنيوية.

فلا أحد يضمن سلامة لحظاته الأخيرة في الدنيا إلا الأنبياء ومَن أشاروا إلى حسن إيمانهم، فعلى المؤمن إذن:

- أن يكون يقظ القلب يحيا طوال عمره بين الخوف والرجاء.

- أن يسعى لفهم سرِّ قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}( الحجر: 99)

- أن يحيا ساعيًا لعيش الكتاب والسُّنَّة في كل نفَس من أنفاس حياته، وألا يغيب عن قلبه ولسانه دعاء يوسف عليه السلام: {...تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف: 101)

- ألا ينسى أن أعظم شهادة يمكن أن ينالها في دار الامتحان الفانية هذه هي شهادة الإيمان لحظة خروج أنفاسه الأخيرة.

- وإذا أردنا أن نجمِّل صورة الموت، فالسبيل الوحيد لذلك إطاعة الأمر الإلهي: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}( الحجر: 99)

إذن لنفكِّر بدرجة عبوديتنا لله سبحانه ةتعالى:

- هل تحملنا الحياة التي نعيشها إلى الجنة؟

- هل تُبيِّض أعمالنا وجوهَنا أمام الميزان؟

- هل تيسِّر تضحياتنا عبورَنا الصراط؟

- هل نسعى لنبلِّغ دين الله فيستطيع الواحد منا أن يقول: «يا رب، قد فعلتُ ما استطعت...» إذا سُئِل عن أحوال الكثيرين ممَن سيحرقون دنياهم وآخرتهم بنار الكفر والفسق والفجور والعصيان؟

وكذلك علينا أن نسعى ليكون كل نفَس من أنفاسنا وسيلةً لجعل لحظاتنا الأخيرة في هذه الدنيا خيرًا لنا، وألا نثق بصلاح أعمالنا ولا بكثرة عباداتنا، بل نلجأ إلى رحمة الله ومغفرته دائمًا من أجل نجاتنا في الآخرة.

وإذا أردنا أن تكون لحظة أنفاسنا الأخيرة لحظة لقاء بالله تعالى وهو راض عنا، فعلينا أن نعيش حياتنا شوقًا لتلك اللحظة ونعمل بمتقضاها. وإذا أردنا أن تكون عاقبتنا الجنة ورؤية جمال الله تعالى، فينبغي أن تكون أعمالنا موافقة لهذه الغاية، ذلك أن عاقبتنا في الآخرة منوطة بأعمالنا وأحوالنا في الدنيا.

والإنسان يُعِدُّ بيدَيه المصائب التي ستحل عليه، كما قال الله تعالى:  {...وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (آل عمران: 117)

فعذاب جهنم ليس بتعذيب الله عبده، بل بظلم نفسه لأنه لم يعبأ بتحذير الله سبحانه وتعالى حين كان في الدنيا.

وإننا نخاف أحيانًا من الكوارث كالزلازل والسيول، ونخاف من الإفلاس، وخوفنا هذا طبيعي لأننا بشر، إلا أن الذي ينبغي لنا أن نخاف منه ذنوبُنا التي تبعدنا عن الله تعالى وتفسد قلوبنا.

فعلينا أن نخاف من ذنوبنا، علينا أن نخاف من الكلمات التي تخرج من أفواهنا، من أن نُحرَم من الرحمة والرأفة، وألا نمثِّل الإسلام التمثيل الصحيح.

علينا أن نخاف من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها حتى نكون من العباد الذين «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

يقول الله تعالى: {...وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (البقرة: 276)

فالآثام تسوق العبد إلى جهنم، غير أنها قد تكون ظاهرة أو باطنة، واضحة أو خفية.

وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في آية أخرى بترك الآثام بنوعَيها فقال:

{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} (الأنعام: 120)

فهذا يعني أنه على الإنسان أن يتجنب المحرمات الباطنة التي تفسد قلبه مثلما يتجنب المحرمات الظاهرة كالخمر والزنا والسرقة والظلم.

والآثام الظاهرة في الأصل نتيجة الباطنة منها. ويرتكب المرء الآثام الباطنة أكثر لأنه لا ينتبه إليها، وكثيرًا ما يستخف بها ولا يحذر من الوقوع فيها، مع أن تخلية القلب من الخصال القبيحة كالكِبر والحسد والبخل أمرٌ مهمٌ أهمية الحذر من الآثام الظاهرة.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا نعيش نعمة الحياة على رضاه، ونقضي أعمارنا في روحانية الإيمان وفيوضات القرآن، ونموت على الإسلام، ونقف في حضرته وقد تنزلت علينا تجليات رحمته ومغفرته، ونتشرف برؤية جماله في الجنان.آمين...!

نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 38، 9/2022