دنيا قلب المسلم-3 - السبيل لحفظ القلب من الغفلة والقسوة التقوى
يقول الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال: 2)
إن إحدى الأوصاف الفارقة للمؤمنين الكُمَّل الخوف من الله سبحانه وتعالى، والذي ينشأ عن تعظيمهم لله سبحانه وتعالى ومحبتهم له، وفي الأصل فإن الخوف من الله تعالى هو القلق والحذر من فقداننا -نحن العباد- محبته الأبدية لنا ورضاه علينا، ولذا فإن قلوب المؤمنين اليَقِظَة ترتعد وترتجف خشية منه تعالى عند ذكره، وهذه الحال تستلزم الأحوال العليّة كالأدب والإخلاص والتقوى، يقول الحق سبحانه وتعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال: 2)
ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام:
{...وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (الحج: 34 ـ 35)
والخوف من الله سبحانه وتعالى يزيد كلما ازدادت معرفة العبد بربه تعالى ومحبته له، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
«أنا أعرفكم بالله، وأخوفكم منه» (البخاري، الأدب، 72)
إن الخائفين من الله سبحانه وتعالى بحق لا يخشون شيئاً غيره، إذ إن خوف الله سبحانه وتعالى هو نور سعادة قلوبهم.
والمؤمنون الذين يخشون ربهم هم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فوعدهم الحق تعالى بجنتين.
يقول عليه الصلاة والسلام:
«ما من مؤمن يخرج من عينيه مثل رأس الذبابة من الدموع، فيصيب حرَّ وجهه إلا حرّم الله عليه النار» (ابن ماجة، الزهد، 19)
«لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنمَ» (الترمذي، الزهد، 8/ 2311)
ويقول عليه الصلاة والسلام: «ليس شيء أحبَّ إلى الله من قطرتين وأثرين، قطرةٌ من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران، فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله» (الترمذي، فضائل الجهاد، 26/ 1669)
ثم إنّ دموع المؤمنين التي ذرفوها من خشية الله سبحانه وتعالى، هي زينة في الليالي الفانية، ونور في القبور المظلمة، وندى في رياض الجنان.
حفظَنا الحق تعالى وإياكم من قلب لا يخشع أمام حكمة القرآن الكريم وأسراره، ومن عين لا تدمع من خشية الله سبحانه وتعالى.
وفي ذمّ القاسية قلوبهم، المحرومة من الخشوع، يقول الحق تعالى:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة، 74)
يقول الحبيب الأكرم عليه الصلاة والسلام:
«اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب، القبر اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» (مسلم، الذكر، 73/2722)
إنّ من لا يخش الله سبحانه وتعالى أقل رتبة عن الحيوانات والجمادات، وقد قال أجدادنا: «خفْ ممن لا يخاف الله تعالى»، ومما لا يخفى أن عاقبتهم يخشى منها، إذ إن قسوة قلوبهم وظلمة غفلتهم ولامبالاتهم تنزهت عنها الجمادات.
وقد أوضح لنا البيان الإلهي تحوّل الكائنات التي نحسبها جامدة من حال إلى حال من جراء خشية الله تعالى، فيقول في إحدى الآيات التي تبين هذه الحقيقة:
{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الحشر، 21)
فيجب أن يجتمع في قلب المؤمنين الخوف مـن الحرمان من محبة الله تعالى والوقوع في عذابه، مع الأمل في الحصول على رحمته الدائمة، أي إن على قلب المؤمن أن يرتجف بين مشاعر الخوف والرجاء، وهذه الموازنة بين مشاعر الخوف والرجاء يعبَّر عنها بــ "بين الخوف والرجاء"، فعلى المؤمن المحافظة على هذا الانسجام القلبي حتى يأتي الموت، وذلك من خلال الدعاء الدائم والتضرع والالتجاء إليه سبحانه، تقول الآيات الكريمة:
{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56)
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الإسراء: 57)
يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد» (مسلم، التوبة، 23/2755)
«الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» (البخاري، الرقاق، 29/6488)
ومن هذا المنظور فإنّ طريق السعادة والسلامة الأبدية يمرُّ عبر المحافظة على توازن مشاعر الخوف من الله سبحانه وتعالى والرجاء له متناسقةً في القلب، كما أن المحبّ يعيش في خوف دائم من الإساءة لمحبوبه، وقلق مستمر من فقدان محبته له، فكذا المؤمن عليه أن يخشى من فقدان محبة الله سبحانه وتعالى، إلا أنه عليه ألا يقطع أمله في رحمته.
يقول أنس رضي الله عنه:
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُكثر أن يقول يا مقلِّب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا، قال:
«نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء» (الترمذي، القدر، 7/ 2140)
وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: لما نزلت آيات
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} (المؤمنون: 60-61)
قلت: يا رسول الله، أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال صلّى الله عليه وسلّم :
«لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم» (الترمذي، التفسير، 23/ 3175)
على المؤمن أن لا يثق بأعماله وما قام به من الخير، فما من مَخْلَص ولا منجى إلا بالالتجاء إلى رحمة الله تعالى.
كان سهيل بن عمرو خطيب قريش، وكان يعادي ويسب الإسلام على الدوام، فأُسِر في غزوة بدر، فقال عمر رضي الله عنه للرسولعليه الصلاة والسلام:
يا رسول الله، دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو، ويدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبدا، فأجابه رسول الله:
«لا أمثِّل به، فيمثل الله بي، وإن كنت نبيا»، ثم أدنى عمر رضي الله عنه منه وقال عليه الصلاة والسلام:
«إنّه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمه» (ابن هشام، 2، 293)
علّمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بفعله هذا أنه علينا الخوف من الله تعالى ومِنْ تصرُّفٍ يستجلب عذابه.
ولما توفي الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقعت البلبلة في صفوف مسلمي مكة -لما رأت قريش من ارتداد العرب- فقام سهيل بن عمرو خطيباً ناصحاً لقومه ومذكراً لهم بوجوب الثبات على الإسلام، فقال:
«يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتدّ، واللهِ إن هذا الدين ليمتد امتداد الشمس والقمر من طلوعهما إلى غروبهما في ظلام طويل....».
وبعدما فرغ من خطبته ثبتت قريش على الإسلام، ولما سمع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطبة سهيل قال:
«أشهد مرة أخرى أنك رسول الله يا رسول الله يا رسول الله، (فلم يزل يرددها)» (ابن هشام، 4، 346)
وعن عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام قالت:
كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرَّ به وذهب عنه ذلك، فسألته، فقال:
«إني خشيت أن يكون عذاباً سُلّط على أمتي» (مسلم، الاستسقاء، 14 ـ 16/899)
إن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بأمته أكبر من رحمة الوالدين بأولادهما، يقول الحق تعالى:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}( التوبة: 128)
وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يتمّ تخويف أحد من الناس كمثله، ولم يتعرض أحدٌ إلى أذى ومشقة وجوع، وقد تحمّل كل هذه المشاقّ في سبيل إرجاع عباد الله إلى طريق الله سبحانه وتعالى، ولم يشتك النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الحال أبداً، بل إن خلاص إنسان واحد عنده كان خيرا له مما طلعت عليه الشمس وغربت، فلما رمي بالحجارة في الطائف وأدميت قدماه، حزن إلا أن بلوغ عبدٍ –وهو عداس- الهدايةَ أسرَّ قلبه.
يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كنت عند رسول الله عليه الصلاة والسلام فنزلت:
{... مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} (النساء: 123) ،
فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت عليّ»
قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت انقسامًا في ظهري فتمطيت لها، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ما شانك يا أبا بكر؟»
قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءًا! وإنا لمجزيون بأعمالنا؟
فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة» (الترمذي، التفسير، 4/ 3039)
وذات يوم أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بصدقات الإبل أن تقسم على الناس، فلما حضرت قال:
- لا يدخل علينا أحد إلا بإذن، وبينما هم كذلك، قالت امرأة لزوجها:
- خذ هذا الحبل واذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه ، لعل الله يرزقنا جملا، فأتى الرجلُ أبا بكر رضي الله عنه ، فوجده قد دخل إلى الإبل، وبدأ في تقسيمها، فدخل إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فلما رأى أبو بكر الرجلَ، قال غاضباً:
- من أدخلك علينا؟
فأخذ منه الحبل وضربه به، وعندما فرغ أبو بكر رضي الله عنه من تقسيم الإبل دعا بالرجل فأعطاه الحبل، وقال: اقتص مني، فقال عم: والله لا يقتص، لا تجعلها سنة، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فمن لي من الله يوم القيامة؟ فقال عمر: أرضه . فأعطاه أبو بكر رضي الله عنه راحلة وقطيفة وخمسة دنانير، وأرضاه بها، ورجع إلى امرأته سعيداً راضياً. (علي المتقي،كنز العمال، 5، 595 ـ 596/ 14058)
وروي أنذ فتى من الأنصار دخلته خشية من النار، فكان يبكي عند ذكر النار حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فجاءه في البيت، فلما دخل عليه اعتنقه الفتى وخر ميتاً، فقال النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام:
«جَهِّزُوا صاحبكم فإن الْفَرَقَ من النّار فلذ كبده، والذي نفسي بيده لقد أعاذه الله منها، من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه» (الحاكم، 2، 536/ 3828)
كان لأبي بكر الورّاق ولد صغير، يتلقى دروساً -عند أحد الشيوخ- في القرآن الكريم، وذات يوم رجع من الكُتَّاب باكراً يرتجف، ووجهه شاحب مصفَّر، فسأله أبو بكر الوراق وقد وقع في حيرة مما رأى: خيراً يا ولدي، ما الذي أصابك، ولِمَ عدت باكراً من الكتَّاب؟، فأجابه ولدُه بوجهٍ كورقة خريف من خشية الله التي عششت في قلبه الصغير:
يا أبتي، لقد علّمني شيخي اليوم آية من القرآن الكريم، حين أدركت معناها أصابني ما ترى، فقال والده: يا بني، وما هي الآية الكريمة، فبدأ الولد الصغير بقراءتها: {فكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} (المزمل: 17)
ثم ما لبث الفتى الصغير أن مرض من هيبة وعظمة هذه الآية الكريمة، ولازم الفراش، ولم يمض وقت كثير حتى فارق الحياة.
فتأثّر أبوه بهذه الحادثة أشدّ التأثر، حتى إنه كان كثيراً ما يذهب إلى قبر ولده ويحدث نفسه باكياً فيقول:
«يا أبا بكر، لقد تعلم ابنك آية من القرآن فارقت روحُه بعدها الحياة من خشية الله، وأنت منذ متى تقرأ القرآن لكن خوفك لم يبلغ خوف ولد صغير!».
ما من شكٍّ في أن هذه الحادثة تعرض لنا الحساسية الإيمانية لطفل صغير تفضّلَ الحقُّ سبحانه وتعالى عليه بأن أكرمه بشفافية ورقة في قلبه، إلا أنها تُشير إلى خشية الله سبحانه وتعالى التي ينبغي علينا التحلّي بها أمام العظمة الإلهية مع وجوب تلاوتنا لكلام الله سبحانه وتعالى بتفكر ورقِّة قلبية، ويبين الحق سبحانه وتعالى سبيل الوصول إلى هذه الحالة في القرآن الكريم بقوله:
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)
وبناء على هذا فإن العلم الحقيقي عند الحق تعالى، هو الذي يجرّ صاحبه إلى مشاعر التقوى والخشية أمام الله تعالى، أي معرفة الله تعالى، وأما للوصول إلى هذا العلم فينبغي مراعاة الأمور التالية التي أوضحتها الآية الكريمة:
الخلوة مع الله تعالى في الليالي والأسحار بقيامها وكثرة السجود فيها.
تذكر الموت والدار الآخرة والتفكر في أحوالهما وأهوالهما في كل لحظة.
ملازمة الدعاء والالتجاء لله تعالى أملاً في رحمته، إذ إن الأرواح العظيمة لا تفتر عن الدعاء أبدا.
وباختصارٍ ... فإن محبة الله تعالى رأس كل خير، ورأس الحكمة الخوف منه تعالى. إنّ مَن يحب الله سبحانه وتعالى ويعرفه حق المعرفة يتصرّف بحذر على الدوام، خوفاً من أن لا يكون مستحقاً لحبه تعالى أو أن يصيبه عذابه، ويعيش حياته في مرتبة الإحسان.
إنْ خاف العبد ربَّه كما يجب فإنه يكرمه باستقامة متناسبة والإسلام، ويأمن كلَّ ما قد يخيفه من الدنيا والآخرة، وقد قال سيد الكائنات عليه الصلاة والسلام:
«ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات: فهوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه، وهي أشدهن» (شعب الإيمان، 9، 396/6865)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة أجمعون إلا رجل واحد، لخفت أن أكون هو، ولو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس إنكم داخلون النار أجمعون إلا رجل واحد لرجوت أن أكون هو».
إن حالة المؤمنين الروحية من التوازن بين الخوف والرجاء، هي ما تصف به الآية الكريمة المتقين بأنهم:
{تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}( السجدة، 16)
وللوصول إلى الطمـأنينة والسعادة في الدارين ينبغي علينا الخوف من الله تعالى، والتضرع بين يديه في ركوعنا وسجودنا ودعاءنا بدموع سخية حارة، كما علينا الالتجاء إلى الله تعالى على أملا في نيل رحمته وعفوه تعالى.آمين...
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 43، 5/2024