دنيا قلب المسلم-2 - السبيل لحفظ القلب من الغفلة والقسوة التقوى
إن المؤمنين الذين يستسلمون بكليتهم لذكر الله تعالى، ينالون من الألطاف الإلهية ويصيبهم الخير الكثير مادياً ومعنوياً.
ثمة إرادة في كل عضو، ولكن القلب هو العضو الوحيد الذي لا توجد فيه إرادة مستقلة. فإرادته تأخذ شكلها أساسًا مما يتلقاه من تأثيرات إيجابية أو سلبية من حوله. القلب مثل الماء، يأخذ شكل الوعاء الذي يدخله، ولونه، ورائحته. فلا بد من حفظ القلب في مجال تأثير الصالحين والصادقين وحمايته من تأثيرات الفاسقين والغافلين.
إن الإيمان يكون بالنطق باللسان وتصديق القلب، فهو فعل قلبي. وأعمال القلب مثل النيات والمشاعر تشكل نواة كل الأعمال. ومركز المشاعر الذي هو القلب يوجِّه التفكر، والتفكر يوجِّه الإرادة.
لذا فإن حفظ القلب في حالة يرضى بها الله ضرورة أعظم من حفظ الأعضاء الأخرى. وقراءة الكتب بما في ذلك القرآن الكريم والأحاديث النبوية وكتب العلماء الصالحين والمتعلمين المتقين، بتفكير عميق هو أيضًا وسيلة هامة لتعزيز الروحانية والفهم العميق للمعاني.
ولكن الأهم من ذلك هو القراءة من الصدور لا من السطور. عندما ننظر إلى عصر النبوة، لا نرى أنه عليه الصلاة والسلام قد أعطى الصحابة القلم والورقة، بل ربَّاهم في مجالسه، ففي المجالس تسري الأحوال من قلب إلى آخر، ويقع الإنعكاس والإنصباغ.
استفاد أصحاب النبي الكرام من أحوال نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام وأقواله وأفعال فانعكست على أحوالهم ومعاملاتهم فبلغوا درجة الصحبة.
ولكن إذا لم تكن فرص لمثل هذا النوع من التأثير والمجالس والصحبة الفعلية، فتُعَدُّ قراءة الكتب الإسلامية والتفكر فيها وسيلة مهمة لتعزيز الروحانية، بل تُعَدُّ ضرورة.
وفي ظل انتشار التلفاز والإنترنت وآثارهما السلبية والإعلانات المضلِّلة، والأمور الدنيوية التي تجعلنا ننسى الآخرة بجميع جوانبها، لا بد من التوجه إلى صوت الحق والعبرة، وفتح قلوبنا لتلقي الحكمة.
وكما قال الإمام الشافعي: «نفسك إنْ لم تشغلها بالحق، شغلتكَ بالباطل».
عندما نتحدث عن حالة قلب المؤمن، فنذكر معرفة الله، وحب الله، والإخلاص، والتقوى، والإحسان، والقرب، والعناية، والصبر، والشكر، والرضا وغيرها من أحوال القلب. فتحليل حياة قلب متميز بهذه الصفات يختلف كثيرًا عن تحليل قلب خام لا يستفيد من هذه الصفات. كلاهما ينظر إلى المشهد نفسه ظاهرًا، ولكن ما يفهمانه يختلف تمامًا. لهذا قال أحد العارفين:
«إن هذا العالَم للعقلاء مشاهدةٌ للبدائع، وللحمقى طعام وشهوة».
وقال الشيخ سعدي الشيرازي:
«يرى العاقل في كلِّ ورقة من أوراق الأشجار الخضراء ديوانًا لمعرفة الله، أما الغافل فلا يرى في الأشجار كلها ورقة واحدة».
وقال: «ينتفع العاقل من الحكمة حتى في النكتة والقصة. أما الغافل، فحتى لو قرأ ألف باب من الحكم، فلا يراها إلا قصة».
مَثَل الصالحين والصادقين مثَل النسْمة التي تهب على حديقة مزينة بزهور نادرة مثل الورد والزنبق والقرنفل فتحمل الرائحة العطرة لتشرح الصدور. ومَثَــــــل الغافلين والفاسقين مَثَـل الريح التي تعصف علـى القمامة فتنشر الرائحة الكريهة فتسد الأنفاس ويضيق الصدور.
هنا نتذكر تنبيه مولانا جلال الدين الرومي حول كيفية إلقاء الناس الناظرين إلى الأمور المعنوية مثل الحب والمودة بنظرتهم الضيقة، إذ يقول:
«أنصِف! ما أجمل العشق! ولكن الذي يؤذيه هو سوء طبعك. لقد أطلقت اسم العشق على الشهوة. لو كنت تعلم، لرأيت مسافة طويلة بين العشق والشهورة!
عشق الله يجعل قلب المؤمن يقظانَ، أما العشق الدنيوي والشهواني فيجعل الإنسان أحمق وغبيًّا».
فشتَّان بين نظرة المؤمن المليئة بالفطنة والبصيرة المعنوية وبين نظرة غافلة من قلب خالٍ من الحق... فالقلب الذي تحول إلى قمامة الغفلة بسبب عدم حفظه من شرور العصر يصبح أعمى أمام الحقائق، فيرى الشقاء سعادة لجهله. يرى الحياة والأحداث والكون رؤية نابعة عن غباء، فلا يستطيع فهم آيات القرآن الكريم فهمًا صحيحًا، ولا فهم الكائنات بلسان حالها، ولا يستطيع إدراك أمور الحياة، ولا يعرف لماذا جاء إلى هذا العالم، وفي مُلكِ مَن يعيش، ولا إلى أين المصير.
لهذا يقول يوسف خاص حاجب: «كلمة العاقل عينٌ للجاهل».
هذا يعني أنه من الضروري أن نلتفت بقلوبنا إلى دعوة الأنبياء وأولياء الله الذين يمتلكون العقل الحقيقي الذي يؤدي إلى الحياة على الصراط المستقيم، فعلينا أن نعلم بأن القلب هو الذي يرى حقيقة الأمور وما العين إلا نظارة للقلب. فعلى سبيل المثال الإنسان الذي ينظر إلى البحر من الشاطئ يرى سطحه، ولكن الغواص الماهر يشهد مناظر مختلفة تمامًا عند كل غوصة في عمقه. وكذلك الإنسان الذي يجلس أمام المصحف ويقرؤه يستفيد منه وفقًا لعمق إيمانه.
القرآن الكريم هو دليل الهداية ومصدر الشفاء والرحمة للمؤمنين الذين يتزين قلوبهم بالتقوى، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا كما ذكر في الآيات الكريمة.
كان هناك كثير من المشركين والمنافقين الذين قرؤوا القرآن الكريم أو استمعوا إليه في عصر النبوة. ومع ذلك، زاد ذلك من خسائرهم الروحية وشدة كراهيتهم وعنادهم. فكانت لديهم عيون ولكنهم ما كانوا يبصرون، وآذان ولكنهم ما كانوا يسمعون، وقلوب ولكنهم ما كانوا يشعرون.
كل إنسان لديه إدراك وفهم وفقًا لقلبه. عندما نظر أبو بكر إلى النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم ، رأى تحفة من الفضائل في هيئة إنسان وأحبه بصدق، وصار محبًا صادقًا للنبي صلّى الله عليه وسلّم. أما أبو جهل، فعندما نظر إلى النبي، رأى السواد الداخلي في نفسه، ولذلك أصابته كراهية شديدة وأمسى عدوًا لدودًا.
لذلك تظهر أهمية حال القلب. على الإنسان أن يُحرِّر قلبه من الفظاظة والضحالة وفقر الرحمة، وهو واجب لكل مؤمن. وفي هذا السياق نرى نبينا محمدًا صلّى الله عليه وسلّم حسنة لنا. كيف أحيا القلوب في عالم الجهل؟ و زرع زهور الفضيلة في أرض جافة؟ وكيف استخدم أساليب التربية؟
بهذه التربية النبوية زالت أهواء الدنيا عن قلوب الأصحاب. وفقدت الدنيا في عيونهم سحرها كما تفقد النجوم بريقها بشروق الشمس. وأصبحت الآخرة شغلهم الذي يشغل قلوبهم.
فهذا يعني أن المعرفة العقلية وحدها لا تكفي، بل نحتاج أيضًا إلى إحساس القلب. كان مولانا جلال الدين الرومي مثلًا في قمة المعرفة العقلية، وكان معلمًا في أعظم مدارس عصره. ولكن الذي وجَّهه إلى الحياة الروحانية والتصوف وفهمها فهمًا عميقًا كان درويش اسمه شمس التبريزي.
كان شمس هذا متصوفًا يفيض قلبه بحب الله. ولم يكن لديه علم مولانا الرومي، ولكنه اكتشف محيط الحب الإلهي في قلب مولانا الرومي، فحرَّره من قيود النفس التي كانت تعيقه عن السير قدمًا في الروحانيات.
كان شمس مثل شرارة رُميَت في محيط من النفط، فاشتعل قلب مولانا بحب الله.
وقد عبَّر مولانا الرومي عن حاله في الماضي بأنه كان "نيًّا"، فلما سارَ في طريق الروحانيات وصف نفسه بأنه "نضج واحترق".
كان مولانا الرومي يعرف ما الرحمة والرأفة والإيثار عقلًا، ولكنه بفضل إرشاد شمس أدرك هذه الفضائل قلبًا، أي ارتقى من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين. حتى لم يرَ أنه له الحق في الدفء وعبدٌ من عباد الله يشعر بالأرض على ظهر هذه البسيطة. وقد قال: «وإنني أعلم أن على الأرض مَن يعاني من شدة البرد، فما عدت أستطيع أن أشعر بالدفء».
على المؤمن أن يطرح على نفسه أسئلة مهمة بشأن أبنائه، مثل:
- ماذا أفعل بشأن تربية أبنائي الذين هم أمانة من الله؟
- ماذا أعلِّمهم وأي ثقافة أقدمها لهم؟
- هل أُولِي أهمية أكبر لمستقبلهم الأبدي من مستقبلهم الدنيوي؟
- هل أُولِي أهمية بتعليمهم القرآن؟
- هل أعوِّدهم منذ صغرهم على الصلاة والذهاب إلى المسجد والمشاركة في الجماعة والسخاء والتصدق؟
إن السبيل لحفظ القلب من الغفلة والقسوة هو فهم التقوى فهمًا صحيحًا والاعتصام بها. ولكن ما التقوى؟ التقوى هي التغلب على الشهوات النفسانية وتطوير القدرات الروحانية. إنها الابتعاد عن ما حرمه الله تعالى قلبًا وجسدًا، خوفًا من فقدان رضا الله ومحبته.
في هذا العالم الذي هو كأرض مليئة بالألغام، علينا أن نكون حذرين في خطواتنا كما لو أننا نسير في حقل ألغام.
سأل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أُبيَّ ابن كعب فقال له: ما التقوى؟
فقال أُبي: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقًا فيه شوك؟
فقال: نعم، قال: فماذا فعلت؟
قال عمر رضي الله عنه: أُشمِّر عن ساقي و أنظر إلى مواضع قدماي و أقدِّم قدمًا وأؤخِّر أخرى مخافة أن تصيبني شوكه، فقال أُبيُّ ابن كعب: تلك هي التقوى.
وأجمل مظهر للتقوى هو حماية القلب أولًا من الآفات المعنوية مثل الكفر والنفاق والشرك، ثم من العيوب البشرية المقيتة مثل الرياء والعجب والكبر والبخل والإسراف والتجسس. لذا يجب الابتعاد عن المحرمات كما نبتعد عن النار، ونؤدي أوامر الله تعالى بحب وتفان.
فالقلب يوجِّه الإرادة بناءً على التأثيرات المحيطة به، فمن الضروري تعزيزه بمجالس وأحاديث وعلاقات صالحة وصداقات محبة مع الناس الصالحين. وعلى الجانب الآخر، يجب أيضًا حماية القلب من الانخراط في تأثير الكفَّار والفسَّاق والغافلين، لأن الله قد قال في سورة التوبة ،الآية 119:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}
وفي سورة الأنعام، الآية 68:
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
يعني هذا أن هناك تأثيرًا تدريجيًا يحدث بين الأصحاب والأصدقاء الظاهريين كما قال الإمام الغزالي، ويتحول التأثير الظاهري إلى تأثير عقلي، والتأثير العقلي يتحول بعد مدة إلى تأثير قلبي، وهذا يعني أن الإنسان يتجه تدريجيًّا نحو الهلاك.
يشهد التاريخ أن فرعون ونمرود وأتيلا وإسكندر وهولاغو وأمثالهم الذين حبسوا أنفسهم في حدود عقولهم الضيقة، باتوا أعداء الإنسانية جمعاء بسبب الظلم الذي ارتكبوه. كانت الشمس تشرق فوق قصورهم الفاخرة في الماضي، ولكنها اليوم تشرق فوق أطلالها.
وأما مولانا جلال الدين الرومي وشاه نقشبند وعبد القادر الجيلاني وأمثالهم الذين وصلوا إلى منبع الولاية والمحبة الإلهية فكانوا وسيلة لوصول الناس إلى الطمأنينة والبركة، وسيبقون قدوة للبشر حتى يوم القيامة.
إن جوهر الوجود واحد، وهناك ميل للتشابه في جميع أنحاء الكون. إذا سقطت زجاجة عطر مثلًا في أحد زوايا الغرفة، تنتشر الرائحة الجميلة التي تنبعث منها حتى تتساوى في جميع ذرات الهواء التي تملأ الغرفة. أو إذا كان هناك انفجار في أحد أنابيب الصرف في الطريق، فإن رائحته الكريهة تستمر في الانتشار بالطريقة نفسها في جميع أنحاء الطريق.
هذه الظاهرة قاعدة فيزيائية. ولكن تكون الحال مشابهة في الجانب الروحي أيضًا. فأحوال القلوب تنعكس على مَا حولها. عندما تتحول الذرة إلى طاقة، ينبعث إشعاع هائل لا يمكن رؤيته ولكن يمكن أن يشعر به الإنسان.
وبالطريقة نفسها تبعث القلوب طاقة إلى ما حولها. وتُسمى هذه الطاقة الإيجابية "الفيض والروحانية"، وتُسمى السلبية "الغفلة والقسوة".
وقد دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائلًا:
«اللهم، لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة» (ابن كثير، تفسير، المجادلة 22)
لماذا؟!.. لأن الإنسان يتأثر بالإحسان. ويظل تحت تأثير الذين يرى الخير منهم.
إن قول أحدهم لجدار بناه كافر أو مشرك أو منافق أو أي أحد من أهل الباطل: "ما أجمله!" هو مديح لا يُحسَب له حساب، ولكنه يضر بالإيمان لأنه يعلي شأن الباطل، ويجلب غضب الله تعالى.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم سبحانه وتعالى » (أبو داود، الأدب، 83؛ أحمد، 5، 346)
لذا علينا حماية قلوبنا من محبة الذين لا يحبهم الله. إن الإيمان يقتضي أيضًا أن يتمكن الإنسان من استخدام الحب استخدامًا صحيحًا. فالحب لأهله والكره لمتسحقه صفة عالية. ومن شروط صحة الإيمان الحب في الله، والبغض في الله.
لذلك من مقتضيات الإيمان:
أن نحب إبراهيم عليه السلام ونكره نمرود،
أن نحب موسى عليه السلام ونكره فرعون،
أن نحب النبي صلّى الله عليه وسلّم ونكره أبا جهل وممثليه في عصرنا.
وسورة المسد تعلمنا كره أبي لهب مع أنه عم النبي صلّى الله عليه وسلّم.
لا يمكن الحماية من شرور العصر سوى من خلال الانخراط في المجتمع، وليس من خلال الانعزال في الكهوف أو حياة العزلة في قمم الجبال.
إن الإسلام يطلب منا أن نكون جزءًا من المجتمع. علينا أن نكون ممثلين جيدين لديننا السامي بأخلاقنا وكلماتنا وأحوالنا وسط الناس، وأن نكون شهداء لله على الأرض.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فقال:
«لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزُو في سبيل الله، مَن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» (الترمذي، فضائل الجهاد، 17)
فعلينا اليوم أن نعيش في المجتمع، سواء في المنزل أو في الأماكن القريبة، في الشارع، وفي العمل، وفي الأسواق، وفقًا لمبدأ "اليد في الكسب والقلب مع الرب".
نسأل الله أن يوفقنا جميعًا في هذا العمل، فما التوفيق إلا من الله.آمين...
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 42، 1/2024