دنيا قلب المسلم-1 - وصفة النجاة الأبدية والمعنوية إحياء القلب

يشهد هذا العصر جاهليةً حديثةً. والخراب الذي أحدثته القوى العالمية بقوتها العسكرية في بلاد الإسلام، والدمار الذي خلفته، بما لديها من قوة اقتصادية وثقافية، في دنيا قلوب الإنسانية واضحةً وضوح الشمس في رابعة النهار. إنما يراد للأجيال الحالية أن تتحول إلى روبوتات يجري التحكم فيها عن بعد. وهناك مساعي للقدح في الإيمان والأخلاق والعفة والشرف والحياء والضمير والفضيلة ودفعها دفعاً خارج ميادين الحياة.

تجري تغذية الأذهان البشرية بحياة جسدية لا حساب فيها ولا كتاب ولا مسؤوليات تماماً مثل حياة الكائنات الأخرى، انطلاقاً من مفهوم دنيا بلا أخرة.

وفي خضم هذه التيارات تضيع الأجيال التي حُرمت من التعليم الاسلامي ومشاعر التقوى والإيمان كمثل جذع شجرة يجرفه السيل.

لطالما واجهت المجتمعات احتياجات روحانية عظيمة في الحقب التاريخية المتأزمة مثل زمن الحملات الصليبية واجتياح المغول في التاريخ البعيد، والحربين العالميتين الأولى والثانية التي قتل فيها ما يقرب من 100 مليون إنسان في التاريخ القريب.

في هذا الأزمنة دائماً ما أعان إرشاد أهل التصوف، على وجه الخصوص، المجتمعات على النجاة من اليأس والإنهاك المعنوي، وكان مصدرا لسلواهم وفسحتهم، فكأنما أعاد إحياء القلوب المرهقة، بطاقة إيجابية وفيض وروحانية. وقد أدت التكايا، خصوصاً، وظيفة مراكز إعادة التأهيل النفسي المعنوي في هذه الأزمنة الصعبة.

في مقابل ذلك، في أزمنة الرخاء اليسر، أدى إرشاد أهل التصوف وظيفة استثنائية تتمثل في كبح جماح الشهوات والحفاظ على وجهة المجتمعات.

وإن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والأعمال التي تدعو إلى القلوب إلى الروحانيات والسلام والاستقامة مستفيدةً من المناخ القلبي لأهل الله هم من أهم وسائل هذه التحذيرات والإرشادات والدعوات.

وإن هذا الأعمال إن قُرأت بتمعن فمن المحقق أنها ستزين القلوب بالفيض والروحانيات، تماماً كمثل رياح هبت على حديقة مزدانة بأزهار، كالورد، والزنبق، والقرنفل، تنقل هذه الروائح العطرة إلى حيث تذهب.

كما فعلت رسالة الأنبياء، والصحابة الكرام، وأولياء الله، وأهل التقوى، والعلماء، والعارفين، وإرشاداتهم التي تعج بالفيض والروحانيات،والثقافة  الإسلامية والعرفانية التـــــي يمكن أن نصفها بمال الأمة العام.

***

يقول أهل الله:  «ليس للسحب في السماء والمياه في البحار لون خاص بها، إنما هي الشمس في السماء تضفي عليها صبغتها»

وأهل الله هم أولئك الذين تركوا التلون وصاروا عديمي اللون بعدما تخلصوا من سلطان أنفسهم.

وبذلك فإن أهل الحق قد تلونوا بصبغة الله جل جلاله، فنالوا الأسرار والحكم الإلهية.

فكما أن نهر صقاريا عندما يصب في البحر الأسود لا يسمى بعد هذه النقطة من البحر باسم نهر صقاريا، فأهل الله بلغوا مرتبة الفناء في الله، وهم عباد تلونوا بصبغة الله سبحانه وتعالى.

إن تدفقات القوة في المخلوقات كمثل أشعار إلهية صامتة. أما القدرة على قراءة هذه الأشعار فهي ممكنة بالقدر الذي يكون به عمق الأحاسيس القلبية.

إن الإنسان إن تجول في مدرسة الحياة هذه بوجه عبوس أبله، دون أن يفهم لسان حال الورود والزنابق والبلابل والرياح والجبال والأنهر يتحول قلبه إلى أطلال مظلمة.

ولا بد للتأكيد على ضرورة أن يتمكن المؤمن من النظر إلى الكائنات والأحداث من أفق الإيمان وزاوية العرفان ونافذة الأخرة، لا من منظور الجاهلية الحديثة المادي العلماني.

أن السكينة الحقيقية في الدنيا والأخرة إنما ترتبط:

-  بتآلف القلب مع الله تعالى.

- ووجوب زيادة تعظيم القرآن الكريم الذي هو مرشدنا إلى الهداية، والأنس به.

- وحب واتباع سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وسنته الشريفة التي هي تفسير فعلي للقرآن الكريم.

 "التصوف-الشريعة-الاستقامة"...

التصوف ما هو إلا العيش بقلب ملئ بالمحبة والعشق والوجد والاستغراق على نهج القرآن والسنة. وأنه ليس ثمة أي علاقة بين كل شئ خارج نطاق هذه الاستقامة والحياة الصوفية.

وإن غاية التصوف ليست الوصول إلى الكشف والكرامات، وإنما هي بلوغ كمال العبودية، وتطبيق الشريعة بشكل كامل وبما يليق بصاحبها وإمضاء العمر على الاستقامة من خلال الوصول إلى معرفة الله سحانه وتعالى ، ومحبة الله، وخشية الله،والإحسان والتقوى...

أما تزكية النفس وتصفية القلب، فلا بد من  الحفاظ على طهارة القلب معناً ليكون من نصيبه أن تتجلى الرحمة الالهية على عالمه.

فكما أن المجوهرات القيمة لا توضع في أوعية قذرة وملطخة، بل تحفظ في صناديق نظيفة للغاية متلألئة معتنى بها، فهكذا عالم القلوب، ينبغي أي يتم الحفاظ عليه طاهراً حتى يكون موضعاً يليق بالتجليات الإلهية.

وإن أجمل هدية يمكن أن تقدم إلى المولى عز وجل هي مرآة لقلب نير مجلى مصفى لطيف تتجلى فيه أسماء الله الحسنى.

وحتى يبلغ القلب هذه المرتبة ويحافظ عليها فمن الضروري القيام بأعمال ومسؤوليات مهمة مثل التوبة والاستغفار وإحياء الأسحار وحياة العبادة والتواضع واجتناب الكبر والفخر، والغفران والتسامح وكظم الغيظ والشكر والصبر والرضا والاستحقاق في الحب والكره ومعية الصالحين واجتناب الفاسقين واجتناب الحرام.

وهناك معايير تعد بمثابة وصفات معنوية للسعادة والسكينة لدى الفرد والأسرة والمجتمع مثل المسكن المطمئن للأسرة والعلم والتحصيل الحقيقيين والتبليغ وأسلوبه.

ووجوب أن يكون المسلم إنساناً رحيماً مزداناً بالأدب والعذوبة، وضرورة أن يكون ذلك العلامة المميزة للمؤمن ووجوب أن يحيي قلبه بالخدمة التي هي الدرجة العليا في القمم المعنوية.

وعلينا التنبيه إلى أهمية التألم لألم العالم الإسلامي الذي أضحى اليوم محرقةً ومأتماً، أي أهمية الاهتمام بأمر الأمة وإنقاذ الناس من هذه المحرقة.

وأهمية أن نحيا مدركين أننا في خضم رحلة إلى الأبدية ممتلئين بشعور استبدال الحياة الدنيا بالأخرة التي هي الحياة الحق، وأهمية اجتناب الوقوع في غفلة العيش في دار الفناء تلك وكأننا مقيمين فيها لا ضيوف.

مفهوم "القلب"....

أولاً القلب مفهوم يعود إلى عالمنا [الشرقي] وليس له مرادف دقيق في لغات الغرب المغرقة في المادية. وللقلب وظيفة وماهية خاصة، كما  قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام أنه:

«...مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله...» (البخاري: الإيمان، 52)

والقلب أيضاً هو محل عين الله ومقر الإيمان، أي مركزه.

والإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب -وليس العقل.

من هذا المنظور، فإحياء قلب واحد هو عمل صالح قيم للغاية عند الله سبحانه وتعالى، بل هو، بتعبير بعض العارفين، هو حج أكبر.

بيد أنه يجب ألا يفهم من ذلك أن إحياء قلب واحد لا يعدو أن يكون إسعاده بالمعنى الدنيوي المادي فحسب. فالأصل في إحياء القلوب هو جعلها تلتقي بالله سبحانه وتعالى وسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، والقدرة على تزيينها بالإيمان والقرآن الكريم، وإنقاذ حياتها الأبدية من أن تكون فصلاً من العذاب، وإعانة الناس على بلوغ السعادة والسلامة الأبدية.

مرةً أخرى، لما دنيا قلب المسلم مهمة؟...

إن غفلة القلب وقسوته تنعكس انعكاساً على أحوال وسلوكيات الإنسان، كما ينعكس العفن في جذور الأشجار على أوراقها وثمارها.

ولهذا السبب، من المهم بمكان حماية دنيا قلب المسلم من السلبيات التي تبعده عن الله سبحانه وتعالى. وإلا فإن القلوب يمكن أن تمتلئ بكثير من الأصنام كما امتلئت الكعبة التي هي مكان التوحيد بالأصنام في عهد الجاهلية.

ولنوضح مرادنا هنا:

"ما الأصنام التي ينبغي تطهير القلب منها؟

-    أحياناً ما  تكون رغبات حسية يشعر العبد أنها أهم من تأدية أوامر الله سبحانه وتعالى.

-    وأحياناً ما تكون مصالح فانية لم تترك من أجل الله فتنسي العبد الأخرة.

- وأحياناً ما تكون منصباً أو رتبةً أو شهرةً  وصيتاً أو ثروةً تبعد العبد عن ربه سبحانه وتعالى.

-        وأحياناً ما تكون شهوة تجاه الجنس الآخر".

ومنزلة القلب الذي هو مركز التجليات الإلهية من الجسد كمنزلة الكعبة من الأرض. وكثيراً ما نرى في الأدبيات الصوفية تشبيهات للقلب بالكعبة. وهذا التشبيه هو، جزئياً، نتيجة لتوقد العشق. وجزئياً أيضاً من أجل  إدراك قيمة وضرورة تحويل القلب إلى مركز للتوحيد كالكعبة عبر تخصيص عرشه لله وحده.

وكلمات ابن عمر رضي الله عنهما التي قالها مخاطباً الكعبة المعظمة في شأن أولئك الذين تحول قلبهم إلى  محل نظر الله لافتة للنظر:

«ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك» (الترمذي، 2032)

وفي صدد تأييد هذه الحقيقة يقول مولانا جلال الدين الرومي:

«اعلم أنك إن جرحت قلباً كان محل نظر الله فحتى لو ذهبت إلى الكعبة ماشياً ما عوضك ثواب زيارة الكعبة ذنب جرح القلوب».

ويحذر مولانا جلال الدين الرومي كذلك الذين يجرحون القلوب بقوله:

«إياك أن تحقِرَ قلباً مهما كانت قيمتُه في نظرك، فهو مشرَّف على ما ترى فيه من ضَعَةٍ، فالقلبُ الخَرِب قد ينظر اللهُ إليه، وإنَّ إصلاح القلب الخرب أفضلُ عند الله من أعمال خير كثيرة..».

ويقول الإمام الرباني:

«اعلموا جيداً أن القلب جار الله سبحانه وتعالى، فليس هناك شئ أقرب إلى ذاته القدسية من القلب. وعليه فاجتنبوا إيذاء القلوب، قلوب المؤمنين والعصاة على السواء! لأن الجار وإن كان عاصياً فهو في حماية الله. فلا تقربوا هذا الفعل! لأنه لا يوجد ذنب، بعد الكفر، يغضب الله مثل إيذاء القلوب. والقلب هو أقرب المخلوقات القادرة على الاقتراب من الله سبحانه وتعالى».

يقول الشيخ أبو الحسن الخرقاني:

«إنما يترقى الرجال (الأولياء) بطهارة الباطن (تزكية النفس وتصفية القلب)، لا بكثرة العمل».

«الصلاة، والصوم وسائر العبادات عظيمة، ولكن تصفية القلب من الكبر والحرص والحسد وغيره من الصفات الذميمة أعظم وأجل».

وفي الحقيقة فإن السر وراء ارتقاء كل الأولياء وأهل الله هو هذه الحالة من التواضع، والافتقار والعدم، والفناء.

الأبيات التالية المنسوبة إلى الملا عبد الرحمن الجامي مشهورة:

"اكسب قلباً لتكون قد أديت الحج أكبر، لأن قلباً واحداً خير من ألف كعبة.

الكعبة بنيان الخليل بن آزر والقلب محل نظر الله الجليل الأكبر».

بهذه المكانة اعتبر جرح القلب الذي هو محل نظر الإله جرماً عظيماً كهدم الكعبة. في المقابل، فإحياء القلب أيضاً أي جمعه بالله ورسوله هو عمل صالح عظيم له ثواب الحج الأكبر.

ويقول الله تعالى:

{ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة، 32)

فإذا كان إنقاذ حياة الإنسان الدنيوية الفانية على هذا القدر العالي، فماذا عن انقاذ حياته المعنوية الأبدية؟

ولك أن تتخيل قيمة ذلك عند الله سبحانه وتعالى!

و يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«.. لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (مسلم، الفضائل، 34/2406)

وعليه فإن من المسؤوليات الأخروية المهمة للغاية في يومنا هذا تبليغ المحرومين من الهداية و"إرشاد المسترشد" أي خدمة إحياء وإرشاد القلوب المحرومة من التقوى التي تنتظر الإرشاد.

على سبيل المثال هب أنك جلست بجوار نبع ماء وسقيت المارين به، وذلك من خير الحسنات وأجملها. ولكنك إن سقيت إنساناً أوشك على الهلاك من العطش في وسط الصحراء كان ذلك كإنقاذه من حريق.

واليوم، أهم دور للمؤمن هو إنقاذ الناس من الحريق الأخروي! في الأصل المؤمن مجبر على ذلك لأن المؤمن إنسان يتسم بالايثار، ويعرف تمام المعرفة أن طريق نجاته يمر من معاونة الأخرين أيضاً على النجاة.

أمّا القوام الذي يجب أن يكون عليه القلب ليكون المسلم مقبولاً عند الله تعالى؟

وكيف يجب أن يتجلى هذا القوام أولاً في العمل ثم في الأحوال والأخلاق على الترتيب؟

كما أن الثمرة غير الناضجة تكون حامضة ومرة ولكنها تكتسب قواماً حلواً كلما نضجت في الشمس، فهكذا دنيا قلب المسلم تحتاج إلى أن تكتسب قواماً ناضجاً في ضوء البيانات الإلهية والتربية النبوية وببركة إرشادات أهل الله.

أما عن قوام قلب المؤمن، فباختصار:

فهو قوام معرفة الله ومحبة الله سبحانه وتعالى والإخلاص والإحسان والمعية والقرب والشكر والصبر والرضا. ولا شك أنه يمكن إضافة المزيد من البنود هنا ولكن للتوضيح باختصار:

قوام معرفة الله: معرفة الحق جل جلاله في القلب. أي إدراك العبد ضعفه وعجزه أمام قدرة الله وعظمته. ومعرفته قدر نفسه وحدوده وامتنانه من قلبه وروحه لربه. وخضوعه بالتوكل والتسليم.

قوام محبة الله: القدرة على عيش الإسلام والإيمان في أفق المحبة والعشق. أي أن يواصل القلب قطع مسافات بأجنحة المحبة عندما يعجز العقل ويتوقف. وأن يزدان القلب بأحوال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخلاقه. وأن يسير على خطى رسول الله بالولاء لصاحب الظل تماماً كما عاش الصحابة الكرام والأولياء والسلف الصالح.

قوام الإخلاص:أن نؤدي عباداتنا وأعمالنا الصالحة دون انتظار مقابل، حسبةً لله سبحانه وتعالى، وألا نلقي بظلال الغايات والمصالح الفانية على العبادات. لأن عقيدة التوحيد لا تتحمل التشارك.

قوام الإحسان:أن نعبد الله سبحانه وتعالى كأنه يرانا في كل مكان وزمان وندقق في كل أحوالنا وحركاتنا وفقاً لذلك.

قوام المعية: أن الله سبحانه وتعالى معنا في كل وقت وحين.

قوام القرب: أن الله تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، أي أن نحيا بشعور أن الله سبحانه وتعالى مطلع حتى على ما في قلوبنا.

قوام الشكر: تثبيت شعور أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب كل النعم في القلب.

قوام الصبر:النظر إلى المعاناة والابتلاءات على أنها مكفرات للذنوب رافعات للدرجات، وإظهار التحمل تجاهها.

قوام الرضا: هو فن نسيان الشكوى والتأفف أمام ظروف الحياة المتغيرة، ومفاجآتها الحلوة والمرة، ومدها وجزرها. وإظهار الرضا للتقدير الإلهي وابتغاء رضا الله سبحانه وتعالى على كل حال.

بإيجاز، كلما استطعنا نحن المؤمنين أن نزين قلوبنا بهذه الخصال كلما كان حالنا وأعمالنا وأخلاقنا بلا شك نائلة لرضا الله سبحانه وتعالى.

نسأل المولى عز وجل أن يكرمنا ويحسن إلينا جميعاً بلطفه وكرمه بهذه الصفات القلبية. آمين!..

نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 41، 9/2023