ثمن الجنـّة
قال الله سبحانه وتعالى:
{إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة، 111)
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم، واختارنا من بين الناس جميعاً لنكون من أهل الإيمان، واصطفانا من بين أهل الإيمان وجعلنا من أمة رسوله الكريم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وإننا لم ننل هذه النعم العظيمة التي لم ندفع ثمنها إلا بلطف الله تعالى وإحسانه.
نعم؛ لقد جئنا إلى هذه الدنيا دون بذل أي مقابل، غير أننا سوف نسير إلى الآخرة ونحن ندفع الثمن، لأن الله تبارك وتعالى يأمرنا بالشكر على نعمه الكثيرة التي لا تُعد ولا تحصى، إذ يقول في كتابه العزيز:
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا...} (النحل، 18) {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر، 8)
وهذه حقيقة تدل على أن ادعاء ملكية شيءٍ لم يُدفع ثمنه ضرب من العبث، ومناقض للعقل، وأن أثمن ما نملك وينبغي لنا دفع ثمنه في هذه الدنيا بوصفنا مؤمنين إنما هو إيماننا.
ونحمد الله تعالى ونشكره على أن شرفنا بالإيمان الذي هو مظهر من مظاهر صفة الله”الهادي“.
إلا أن المولى U يقول لنا:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران، 102)
فإذا ما أمعنا النظر في هذه الآية نجد أن ربنا سبحانه وتعالى لا يقول لنا: "سوف تموتون وأنتم مسلمون"، بل يستعمل أسلوباً آخرَ فيعلمنا بأنه لا ضامن لتكون آخر لحظات حياتنا على الإيمان، وأننا قد نزل وننحرف عن الصراط المستقيم في أي لحظة.
فيأمرنا بأن نموت على الإيمان، لأن حياة الامتحان هذه لا نعيشها إلا مرة واحدة، ولا نستطيع أن نعيدها ولا نعوِّض عنها.
فعلينا في هذه الحال أن نحمي إيماننا، ولا نساوم عليه، ونتمسك به في جميع الظروف والأحوال حتى لو كان الثمن التضحية بأرواحنا.
إن أصعب ما في الحياة القدرةُ على دفع ثمن نعمة الإيمان، ذلك أنه ليس لهذه النعمة حد واضح. فعلينا بذل أقصى جهدنا وكل استطاعتنا في سبيل الله تعالى، والتعلق برجاء رحمته ومغفرته إلى آخر نَفَس في حياتنا.لأن الإيمان لطف وإحسان من الله تعالى، وهذا الامتحان الذي نحن فيه إنما هو مقياس لدرجة صحة الإيمان، وأما الحفاظ على الإيمان الواجب على المؤمن بالعبادة، والتقوى، والإحسان، والصبر، والشكر، والتضحية، والعمل، والتسليم، فإنما هو ثمن نيل المكافآت الإلهية بلطف الحق سبحانه وتعالى وإحسانه. وكأن الله تبارك وتعالى يطالبنا بثمن كي ندرك قيمة نعمة الإيمان التي أنعمهاعلينا.
ويبين الحق سبحانه وسيلة دفع هذا الثمن بقوله:
{إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ...} (التوبة: 111)
إذاً إن دنيا الامتحان هذه التي نعيش فيها كالسوق التي سوف نشتري فيها الجنة، وأكبر رأسمال نملكه في هذه السوق أنفسنا وأموالنا. وهنا يرد في الذهن التساؤل التالي: مَن المالك الحقيقي للنفس والمال؟ ومَن الذي منحهما لنا؟. في الحقيقة ليس كل ذلك إلا من إحسان الله تعالى، وعليه فإننا نجد أنفسنا مرة أخرى في امتحان نلتزم فيه بتسليم ذلك الإحسان إلى المولى U.
ونرى في القرآن الكريم أمثلة كثيرة لهذا الأمر: فهذا سيدنا إبراهيم u أبو الأنبياء قد امتُحن بنفسه، وماله، وأولاده. ورضي في سبيل الدفاع عن دين التوحيد أن يُلقى في تلك النار العظيمة التي أوقدها نمرود، فتحولت النار إلى بساتين خضراء. وضحى بماله في سبيل الله تعالى لينال بركتَه، وارتضى أن يقدم ابنه قرباناً لله تعالى، فما كان من الحق سبحانه وتعالى إلا أن ردَّ له ابنه، وأنزل من الجنة أضحية يوفي بها بوعد؛ فصار خليل الله، ووصل إلى مرتبة أهل الله.
وما أكثر قصص أبطال الإيمان الذين باعوا أرواحهم وأموالهم ثمناً للجنة التي وعدهم بها الله تعالى، وقد ذكر لنا ربنا U في القرآن الكريم بعضاً من هذه القصص، منهمأصحاب الأخدود الذين ألقي بهم في نار ملتهبة، وحبيب النجار الذي رجمه القوم الظالمون، وسحرة فرعون الذين قُطِّعَت أيديهم وأرجلهم من خلاف وصُلبوا في جذوع النخل لإيمانهم بسيدنا موسى u، ولم يطلبوا من الحق سبحانه وتعالى أن ينجيهم من هذا الظلم والعذاب الشديد الذي تعرضوا له، وأن يبلغهم السلامة في الدنيا. لقد كان رجاؤهم الوحيد أن يموتوا على الإسلام دون يساوموا على إيمانهم، وأن يخرجوا من هذه الدنيا وقد فازوا بالآخرة، لهذا كانوا يتضرعون إلى ربهم سبحانه وتعالى بقولهم:
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (الأعراف: 126) كي لا يتعرضوا للحظات الضعف في إيمانهم، فانتقلوا إلى جوار ربهم شهداء في سبيله.
وإذا ما نظرنا إلى عصر رسول الله عليه الصلاة والسلام فإننا نجد الإيمان نفسه، فقد عانى الصحابة الكرام وتحملوا آلاماً عظيمة من أجل دفع ثمن نعمة الإيمان. إذ تعرضوا في مكة لسنوات طويلة للظلم والتعذيب وشتى أنواع الحصار والتجويع والمقاطعة. وعندما هاجروا إلى المدينة المنورة تاركين وراءهم منازلهم وأموالهم كي يحافظوا على الإيمان الذي في قلوبهم، سعوا من أجل التوحيد وإثبات الوجود في جبهات ثلاث تمثلت بالمشركين من جهة، والمنافقين من جهة ثانية، واليهود من جهة ثالثة.
يقول خباب بن الأرت t الذي يُعد واحداً من الصحابة الأكثر تعرضاً لأشد أنواع العذاب والتنكيل في سبيل الإيمان:
شكونا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو متوسِّد بردةً له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال:
«كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر له في الأرض، فيُجعَل فيه، فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. واللهِ ليُتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون!». (البخاري، مناقب الأنصار، 29؛ المناقب، 25؛ الإكراه، 1)
ويقول الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة t - وكان من أهل المدينة الذين حضروا بيعة العقبة-:
بعد أن بايعنا رسول الله عليه الصلاة والسلام على أن نعبد الله تعالى وحده ولا نشرك به شيئاً، ونمنع رسول الله عليه الصلاة والسلام مما نمنع منه أنفسنا، سألنا النبي عليه الصلاة والسلام، فقلنا: يا رسول الله، ما لنا إذا فعلنا ذلك؟، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «الجنة!»، فقلنا: ربح البيع! لا نقيل ولا نستقيل. (انظر: ابن كثير، التفسير، 2، 406)
وها هو عبد الله بن رواحة t قد أتم صفقة بيع الجنة الرابحة في غزوة مؤتة. فلما تلقى بشارة الشهادة من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتأكد من موته في المعركة لم تظهر أي علامات امتعاض أو تردد على وجهه، لا بل انضم إلى المعركة بطمأنينة وإقدام وتسليم كبير لله تعالى. وتبرع بكل ماله لبيت المال، وأوقف روحه في سبيل الله تعالى لكي يصد أذنه عن الاستماع إلى وساوس نفسه التي تريد إظهار حلاوة الدنيا ومرارة الموت، فاستشهد في تلك الغزوة ليطير إلى جنان الخلد.
لقد سار كثير من الصحابة تحت شعار: “ليكن قبري حيثما وصلت قدماي”، فتوجهوا إلى جهات الأرض الأربعة لنشر الدين الحق. وبلَّغوا هذا الدين في البلاد التي وصلوا إليها بأحوالهم وأقوالهم، وختموا على القلوب بختم التوحيد ليخرجوها من الظلمات إلى النور، وبذلك صدقوا البيعة التي بايعوها لله ولرسوله.
نزلت الآية القرآنية المباركة التي ذكرناها سابقاً في بيعة أهل المدينة “الأنصار” للنبي عليه الصلاة والسلام، إذ قال الله تبارك وتعالى:
{إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 111)
وكان جميع الصحابة الكرام يختبرون إيمانهم على أساس هذه الآية الكريمة، لأنهم كانوا يرون مختلف الأحداث دائماً من نافذة الآخرة بوَجدٍ إيماني عظيم. وأدركوا- كما ينبغي- الحقيقة التي أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله في الحديث الشريف:
«اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» (البخاري، الرقاق، 1)
ولهذا لم تكن الشدائد والآلام والاضطرابات الدنيوية المؤقتة أمراً ذا بال عندهم، بل عدُّوا كل ضروب المعاناة وأحوال الشدة والضيق التي مروا بها في سبيل الله تعالى نعماً ورحمة إلهية، آملين بالفوز بصحبة رسول الله r في الآخرة كما فازوا بها في الدنيا.
كان الصحابي سعد بن خيثمة أحد النقباء الاثني عشر الذين تم اختيارهم في بيعة العقبة. ويوم بدر اقترع سعد وأبوه خيثمة لخروج أحدهما في تلك الغزوة، فكانت القرعة لسعد، فقال أبوه: يا بني، آثرني اليوم. فقال سعد: يا أبت، لو كان غير الجنة فعلت. فخرج سعد إلى بدر فقُتِل بها، وقُتِل أبوه خيثمة يوم أحد. (ابن حجر، الإصابة، 3، 47، رقم: 31561)
ويقول الصحابي جابر بن عبد الله t: لقيني رسول الله r فقال:
«يا جابر، ما لي أراك منكسراً؟»
فقلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالاًوديناً. قال:
«أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟»،
قلت: بلى يا رسول الله! فقال:
«ما كلَّم الله تعالى أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا ، فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِك. فقال أبوك: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. فقال الرب U: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون».( الترمذي، التفسير، 3/ 3010)
فأنزل الله تعالى قوله:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}( آل عمران: 169– 170، ابن ماجه، المقدمة، 13/ 190)
وهكذا فإن الصحابة الكرام قد تحركوا بهذا الإيمان لشراء الجنة حاملين دين الله تعالى، فتخلوا عن راحتهم ورغد عيشهم وانتشروا في شتى أصقاع العالم. فبلغوا حدود الصين، ودخلوا أفريقيا، ثم وصل من جاء بعدهم خلال مدة قصيرة إلى المحيط الأطلسي، وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى دخلوا إسبانيا.
وأما الصحابي أبو أيوب الأنصاري t فقد وصل مرتين إلى القسطنطينية [إسطنبول]، لأنه كان يخشى من أن يكون مقصراً في بذل جهوده والتضحية بنفسه في سبيل الله تعالى، فيكون من الذين يلقون آخرتهم بأيديهم إلى التهلكة. فانضم إلى الجيش المتجه نحو فتح القسطنطينية وقد تجاوز الثمانين عاماً من عمره شوقاً وأملاً بنيل بشارة رسول الله r حينما قال:
«لتفتحن القسطنطينية}.( أحمد، 4، 335؛ الحاكم، 4، 468/ 8300)
وتوفي رضي الله عنه في المرة الثانية أمام أسوار تلك المدينة، وقال في آخر أنفاسه موصياً:
«ادفنوني في أقصى مكان تصل إليه أقدامكم حتى يذهب من يأتي بعدي من المسلمين أبعد من ذلك المكان». وبذلك فقد حدد ببدنه-كما بحياته- الهدفَ للأجيال المؤمنة التي سوف تأتي من بعده، وترك الآفاق الرحبة للجهود الكبيرة التي يبذلها المسلم الحقيقي ميراثاً لتلك الأجيال.
إن مما لا ريب فيه أن الصحابي الذي يمثل القدوة الفريدة، ويتربع على عرش التضحية والعطاء، والذي يسمو بقلبه بين تلك القلوب التي بلغت مرحلة الاطمئنان والسلام الداخلي بذكر الله تعالى، وبين تلك النفوس التي تخلت عن سائر النعم الدنيوية وبلغت ذروة رضا الله تعالى، إنما هو سيدنا أبو بكر t.
ذات يوم قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مالُ أبي بكر».
فلما سمع أبو بكر t كلمات الثناء هذه التي نطق بها سيد الخلق بحقه، أدمعت عيناه، وقال: «وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله!» (ابن ماجه، المقدمة)
معبراً بذلك عن أنه قد جعل كل ثروته فداءً لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ,لقد أتى أبو بكر t في كثير من الأحيان بكل ماله ووضعه بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان إنفاقه كإنفاق النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان ينفق ويتصدق صدقة مَن لا يخشى الفقر. وإذا ما سأله رسول الله عليه الصلاة والسلام:
«يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟»
كان يقول بكل طمأنينة وسكينة قلب: أبقيت لهم الله ورسوله!. (الترمذي، التفسير، 3/ 3010)
وأما الصحابي الكريم الآخر الذي بذل روحه وماله بسخاء لا حد له في سبيل الله تعالى ليفوز بالآخرة فهو عثمان بن عفان t. لما هاجر هذا الصحابي المبارك الذي كان مضرب المثل في الكرم والحياء إلى المدينة، رأى معاناة المسلمين في شأن الماء، إذ كانت مياه آبار المدينة شديدة المرارة، ولم يكن هناك بئر فيها ماء عذب حلو سوى بئر رومة التي كان يملكها يهودي. وكان هذا اليهودي يكسب رزقه من بيع ماء هذه البئر، فاشترى عثمان t هذه البئر بثمن كبير بإشارة من النبي عليه الصلاة والسلام.
وسارع عثمان t إلى وقفها في سبيل الله دون أي تردد. ومما زاد فضله هذا فضلاً أنه كان يقف مع جميع الناس وينتظر دوره من أجل الحصول على الماء من هذه البئر. وجاء في إحدى الروايات أن الآيات الكريمة الآتية نزلت في هذا العمل العظيم الذي أقدم عليه عثمان t، وهي قول الله تعالى:
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي}( الفجر: 27– 30)
ولما اتسعت رقعة الإسلام وكثر القادمون إلى المدينة، بدأ المسجد النبوي يضيق بالناس فكان لا بد من توسيعه. ومرة أخرى أخذ عثمان t هذه المهمة على عاتقه بإشارة من رسول الله r.
وقد نزل في ذلك قول الله تبارك وتعالى:
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (التوبة: 18)
وكذلك لما ضاقت الأحوال بالمسلمين في غزوة تبوك، ولم يجدوا ما يركبوه للالتحاق بالجيش، واضطر كل اثنين أو ثلاثة من المجاهدين إلى التناوب على ركوب دابة واحدة، قام هذا الصحابي الجليل بتجهيز ثلاثمئة ناقة وأهداها إلى جيش المسلمين.
ولما قَحِط الناس في زمن سيدنا أبي بكر t، قال الخليفة لهم: إن شاء الله لا تمسون غداً حتى يأتيكم فرج الله، فلما كان صباح الغد قدمت قافلة عثمان، فغدا عليه التجَّار، فخرج إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه وسألوه أن يبيعهم قافلته، فسألهم: كم تربحونني؟ قالوا: العشرة اثني عشر، قال: قد زادني، قالوا: العشرة خمسة عشر، قال : قد زادني، قالوا: من الذي زادك ونحن تجَّار المدينة؟ قال: إنه الله، زادني بكل درهمٍ عشراً، فهل لديكم أنتم مزيد؟ فانصرف التجَّار عنه وهو ينادي: اللهم إني وهبتها فقراء المدينة بلا ثمن وبلا حِساب. (سيد حسين العفاني، ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله، ج2، ص251)
واستُشهِد رمز السخاء عثمان بن عفان t الذي حمل مسؤولية الأمة على كاهله، مظلوماً في خلافته ليصبح من الذين ضحوا في سبيل الآخرة واشتروا الجنة بأرواحهم.
وإذا نظرنا إلى المدينة فإننا نجد بين الأنصار من أصحاب الكرم والسخاء والساعين إلى دفع ثمن الجنة ما لا يقلون شأناً عن المهاجرين، ومن هؤلاء أبو طلحة الأنصاري t. لقد كان أبو طلحة من أكثر الأنصار امتلاكاً للنخل، وكان بستان بيرحاء الذي يقع قرب المسجد النبوي من أحب أمواله إليه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل إليه كثيراً فيشرب من مائه العذب، ويغتسل به، ويأكل من ثماره، ويستظل تحت أشجاره.
ولما نزل قول الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران: 92)
ذهب أبو طلحة t إلى رسول الله r، فقال له: إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
«بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح!». (البخاري، الزكاة، 44؛ مسلم، الزكاة، 42، 43)
إذاً، كانت هذه آفاق رؤية الصحابة الكرام، حيث كانوا يسارعون إلى قول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (البقرة: 285)
في كل آية تنزل، ويخضعون لها بكل جوارحهم، ويبذلون جهدهم لتنفيذها ابتغاء نيل رضا الله تعالى. ولذلك قال جابر t:
«لم أعلم أحداً من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من أمواله صدقةً مؤبدةً – أي جعله وقفاً –».( ابن قدامة، المغني، 5، 598)
وقد عاش العثمانيون بهذه الروح من البذل والعطاء، وحوَّلوا بلادهم إلى ما يشبه الحضارة الوقفية. لأنهم كانوا من المؤمنين الصالحين الذين وضعوا مبدأ «لا عيش إلا عيش الآخرة» نصب أعينهم، وتحركوا من منطلق التضحية بالفاني للفوز بالباقي، وبذلوا جهدهم لدفع ثمن نعمة الإيمان.
إن كل حضارة تبني نموذج الإنسان الخاص بها. وإننا- أحفادَ أولئك الأجداد العظام- نقف أمام مسؤولية عظيمة وجهاً لوجه. إذ إننا أينما ولَّينا وجوهنا اليوم نجد المسلمين يعانون من الشدة والضيق في كل بقاع الأرض. وإن دولتنا تركيا تبذل جهوداً كبيرة للتحدث باسم العالم الإسلامي الذي يتعرض لشتى أنواع الظلم والاضطهاد، وللدفاع عن حقوق الأمة.
وها هي أمتنا التي أحقَّت الحق عبر العصور، وحمت المظلومين من الاضطهاد والظلم، تفتح اليوم صفحة ذهبية من صفحات التاريخ. وينبغي لنا جميعاً أفراداً وجماعات دعم جهود هذه القضية. وفي هذا الإطار نجد أنفسنا مجبرين على أن نجعل من أنفسنا كالأنصار لإخواننا السوريين الذين اضطروا للجوء إلى بلادنا، وأن نقدم لهم التضحيات التي تقتضيها الأخوة الإسلامية.
نسأل الله U أن يجعلنا جميعاً ممن يشعرون بثقل الأمانة التي يحملونها على أكتافهم، ومن الذين يشعرون في قلوبهم بكرب المكروبين والمحتاجين سواء من الناحية المادية أم المعنوية...آمين!.
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 17، 11/2016