تزكية النفس من الإيمان إلى الإحسان رشحة وقطرة قلبية
«تزكية النفس تجعل العبودية في أجمل شكل بأحاسيس المراقبة والإحسان ضمن إطار الكتاب والسنة. والتصوف ليس شيئا آخر سوى إلغاء الموانع التي تعوق العبودية وتعطلها وتأكيد الإمكانيات التي ستصبح وسيلة للعبودية».
تزكية النفس تتويج الإيمان والإسلام بتاج “الإحسان”. أي إنبات شعور المراقبة الإلهية في القلب، لأن تزكية النفس الحقيقية هي أن تعيش وقد أخذت نصيبًا من الأسرار والحكم الوجدانية التي في عمق الكتاب والسنة. وكل قول أو حال أو سلوك يخالف ما جاء به الكتاب والسنة باطل، وللتعبير عن هذه الحقيقة قيل: «الشريعة قدم الفرجار الثابتة».
فقد قال مولانا جلال الدين -رحمه الله-:
«نحن مثل الفِرْجَار قدمنا الثابتة في الشريعة ونحن نطوف بقدمنا الأولى على اثنين وسبعين أمة».
«والشريعة تشبه شمعة تنشر الضوء وتنير الطريق مع الأِعتناء بالشمعة والبحث عنها لن تضل الطريق. ولكن لن تستطيع أن تسلك الطريق دون الأِعتناء فهل بدأت في سلوك الطريق في ضوء الشريعة. وهكذاتزكية النفس هو ذلك الطريق».
ومن ناحية أخرى فإن الإحسان الذي يجعل المشاهدة الإلهية حالة شعورية ثابتة في القلب. ويجعل العبد كأنما يرى الله تعالى في كل لحظة ويجعله ينظم حياته على هذا المنوال هو في النهاية المعراج الروحي لعباد الله تعالى المقربين إليه. وهو حقيقة معنوية وروحية وإلهية خفية. وهدف المتصوفة الوصول إلى هذه الحقيقة.
وهذا أيضًا يوضح الرابطة الروحية الداخلية الباطنية التي تأسست مع الله تعالى. والشخص الذي أسس هذه الرابطة بشكل صحيح يتحول إلى ولي لله تعالى وهذا هو التخلق بالأخلاق الإلهية. أما هذه الحالة فهي العبودية لله تعالى في أجمل صورة والأِستعداد الجدّي للعالم الأبدى. أي أنتزكية النفس هي إمكانية أن تعيش العبودية في أجمل صورة. لأن الخالق U قد خلق الإنسان لعبادته فقط.
وعلى هذا فالتصوف يمكن أن يجعل العبودية في أجمل صورة بأحاسيس المراقبة والإحسان ضمن إطار الكتاب والسنة. والتصوف ليس شيئا آخر سوى إلغاء الموانع التي تعوق العبودية وتعطلها وتأكيد الإمكانية التي ستصبح وسيلة للعبودية.
وهو تحويل الأراضي اليابسة والأماكن الميتة التي ليس بها حياة أو روح إلى حديقة غناء خضراء منبتة زاهية الألوان. ويجعل كثيرًا من القلوب الخربة قصورًا معمورة.
التصوف يهدف إلى إنضاج الإنسان عن طريق تزكية النفس تلك النفس التي تحدث عنها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة بخاصة، والتماس السعادة الأبدية بهذه الطريقة وهذا الأمر هو حقيقة يشير إليها الحق U ويؤكد عليها المرة تلو الأخرى.
باختصار فإن تزكية النفس هي طريق منير يجعل العباد جديرين عند الخالق U بمقام «نعم العبد»، وهم ذاهبون من عالم الغربة ذلك إلى عالم الوصول الأبدي الخالد، وهذا أيضًا بلا شك يكون ممكناً بتحول الإيمان إلى قوام الإحسان. إن تزكية النفس هي علم يُتذوق ويُدرك بالمعايشة، لذا كل شخص بشكل عام يتناول الأمور والنواحي التي تذوقها وأدركها فيه. وكنتيجة لهذا كان من الطبيعي أن تظهر تعريفات كثيرة جدًّا للتصوف.
ويمكننا القول إن أعلام هذا الطريق قد سلكوا طريقًا لتوضيح القَسم الذي انعكس عليهم فقط كبلورة تعكس الأضواء المختلفة من كل مقطع تقريبًا.
وباعتبار الجوانب المشتركة لهذه التعريفات المختلفة يمكننا أن نقول: إن التصوف هو تصحيح عالم المؤمنين الداخلي، وجعلهم يكتملون معنويًّا، وتوصيل العبد إلى الأخلاق الحميدة، وتقريبهم للخالق U، وبهذه الصورة هو علم يوصل إلى معرفة الله U.
ومنظومة التصوف المشهورة للشيخ إبراهيم أفندي شيخُ تكيةٌ «أُولانْلَرِ» الموجودة في حي “آق سراي” تشرح لنا التصوف وتعرِّفه، ومن هذه التعريفات:
«التصوف أن تنخلع عن وجودك المادي في البداية، وأن تجعل سلطانًا على عرش القلب في النهاية.
والتصوف أن تحمل بكليتك مسئولية العروة الوثقى، وأن تكون مظهرا لآيات الغفران، وهو أن تكون قرآنًا حيًّا يمشي على الأرض.
والتصوف في ضوء هذه التعريفات هو تطهير القلب من الأدران المادية والمعنوية، واكتساب الأخلاق والأوصاف الجميلة. وهو السعي لأن تعيش الدين بالأخلاق والنورانية بكيفية تناسب جوهره. والتصوف بهذا الأعتبار هو الوصول إلى نضج وكمال في الرؤية يحيط بالأسرار والحكم والخفايا العالية -التي في الأحداث المادية والمعنوية- والتي لا يكفي العقل لحلها بمفرده.
وهو السعي لتحييد مانع النفس- وهو عائق وحاجز مؤكد- الذي يمنع القلب من الأنبهار والأِفتتان بالحظوظ الروحانية التي لا تنتهي.
أي أن التصوف هو تجاوز ميول ورغبات الجسد الشهوانية التي تحبس الروح. وبعد ذلك فهو مجموعة المعارف والأحوال المعنوية، والمشاعر والسوانح والتجليات القلبية التي تدعم مشاهدة الحقائق الخفية التي في جوهر الحوادث كلها، وصفحات العبرة والحكمة التي تجري خلف تلك الحقائق بأسلوب عرفاني.
والتصوف بهذا الأِعتبار هو الأِمتزاج بمحبة واسعة، والتكامل ظاهريّاً وباطنيًّا مع حياة رسول الله r المباركة، لأن تلك هي التجليات الظاهرية والباطنية الداخلية والخارجية لرسول الله r أي حاله عليه الصلاة والسلام.
ومن أجل ذلك يمكن الحصول على جزء من روحانية رسول الله r وذلك بأن تكون روحيًّا بالوجد وجمال السلوك.
والخلاصة أن التصوف هو قطرات ندى نورانية انعكست على القلوب الممتلئة بالمحبة والتي بدأت بنفخ الروح في آدم u ووصلت إلى الكمال في نبي آخر الزمان محمد r .
التصوف يوجه الإنسان إلى الروح. ويفتح للروح طريق الطمأنينة المعنوية المناسبة للأِستعداد الفردي. ومن أجل هذا فإن كل ما يتعلق بنفس الإنسان وروحه يكون موضوع اهتمام.
أي أن المسافات كلها التي يقطعها العبد في رحلته المعنوية والعوالم كلها التي هي حال ارتباط به وآلاف الأحوال والنهايات التي عاشها تكون متعلقة ومرتبطة بأمور لا حصر لها، مثل القدرة على إدراك وجود الله تعالى الذي هو رب العالمين ومعرفته قلبيًّا، والعبودية له سبحانه وتعالى.
ومن أجل أشياء كهذه، فإن التصوف -الذي يُخاطب كل فرد في المجتمع- يمنع الضعف والتكاسل في أوقات الراحة الأِقتصادية والأِجتماعية، ويزيد من الحيوية المعنوية ويجعلها تستمر ولا تتوقف.
ومن ناحية أخرى يفتح نافذة علوية على القلوب المختنقة بين نزاعات الأوقات الصعبة المملوءة بالظلم والأِنشغال والقهر، ويجعلها تتنسم أنفاس التجلي النورانية. ويكون مرهمًا للقلوب الجريحة، وماء الحياة للعقول المتعبة والأرواح الظمآنة.
والتصوف من ناحية أخرى هو حماية من الغرور والكبر والعجب، وتلقين التواضع والأِنكسار للذين بلغوا الذروة في الأخلاق الجميلة والعبادة. وهو أيضًا يمد أطواق نجاة الروح مثل العفو والغفران والرحمة الواسعة إلى العباد الذين اختنقوا في مستنقعات الذنب. فمثلاً من الحقائق التاريخية في هذا الشأن اكتساب تيارات التصوف قوة وظهور عدد كبير جدًّا من المتصوفة الكبار في تلك الفترة التي أعقبت هجمات المغول، وكان في ذلك تسكين وعزاء للاضطرابات والقلاقل التي سببت الفتنة والفساد الذي هز الأناضول كلها لفترة.
لأن التصوف يمس القلب بصدمة كهربائية، ويُحْيِيه بالتسليم في المشاكل التي لا يكفي فيها العقل. وتتجلى المشاكل وتستبين بالتجليات التي في القلب مثل الكشف والإلهام الموافقة للكتاب والسنة. ولعل تلك الكلمات لمحمد حميد الله أحد علماء الأِسلام البارزين في هذا القرن الذي نعيش فيه والذي قضى حَيَاتَه كُلَّها في نشر الأِسلام وخاصة بمؤلفاتِه باللغات الغربية وهي كلمات ذو مغزى ومعبرة للغاية فيقول:
«لقد كانت العقلانية هي النمط الذي تربيت عليه، وكانت الدراسات والبحوث الشرعية بالنسبة لي ترفض كل شيء لا يمكن تعريفه وإثباته بشكل مقنع إيمانيًا. ومن المؤكد أنني كنت أؤدي فروض الإسلام مثل الصلاة والصيام ليس لأسباب صوفية، بل لأسباب شرعية.
وكنت أقول لنفسي: إن ربي وحبيبي هو الله تعالى. وقد أمرني أن أفعل هذه الأشياء. وفى تلك الحال يجب عليّ أن أقوم بتلك الواجبات. فضلاً عن هذا فإن الحق والواجب يرتبط كل منهما بالآخر. والله تعالى قد أمرني لتنتفع وتستفد من هذه الأشياء، وفي تلك الحال فإن واجبي أن أشكره.
ومنذ فترة كنت قد بدأت أعيش في مجتمع غربي في محيط مثل باريس، وكنت أشعر بدهشة وحيرة، ذلك أن ما دفع مسيحيي هذه البلاد إلى اعتناق الإسلام ليست آراء علماء الفقه والكلام، بل هم الصوفيون أمثال مولانا جلال الدين الرومي.
هكذا فهمت أن التصوف الذي كان في عهد النبي r وطريق متصوفة الإسلام الكبار لم ينشغل بالكلام فقط، أو بأشياء لا معنى لها، بل كان يسير في أقصر طريق بين الإنسان والله تعالى وكان يبحث عن تنمية الشخصية وتطورها... والإنسان يبحث عن أسباب الواجبات التي كُلف بها. لكن الشروح المادية في المجال المعنوي تبعدنا عن الهدف، أما الشروح المعنوية فهي التي يطمئن إليها الإنسان».
وهذه الكلمات توضح أن التصوف أصبح له أهمية كبيرة جدًّا في عصرنا الذي زادت فيه الأزمة الأِجتماعية والأِقتصادية رغم وصول الصناعة الثقيلة والنهضة التقنية إلى ذرى متقدمة وتحول الإنسان فيه إلى ما يشبه ترساً في آلة.
- التصوف هو تربية معنوية تعني السعي إلى اكتساب أخلاق رسول الله r. وهو حال الوجد في العبادة، وحال الفضيلة في المعاملات. وهو أيضًا التوجه بعشق إلى خالق الكائنات U، وإلى رسوله الكريم r ، لأن أحبّاء الحق الذين جعلوا المولى U ورسوله r في مركز المحبة -بتوجه وعشق خالص حقيقي- قد أصبحوا أحباب الإنسانية كلها إلى الأبد.
- الألفة والصحبة مع الصالحين تصلح المؤمن، لأن السريان بين الشخصيات هو من خواص الطاقة النورانية. فالصالحون الذين طعّموا الأرواح بالنظام والمعنوية هم أشخاص قد طهروا نفوسهم، وصرفوا أنظارهم عن زخرف الدنيا وزينتها، وامتلأت قلوبهم بنور إلهي. والألفة معهم تجعل العبد عبدًا تستفيد المخلوقات كلها من يده ولسانه.
وفي الحتام اسال الله لنا ولكم حسن الختام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 1، 9/2011