الدعاء وأسراره
كلما يتكرر الدعاء يُنقش على روح المؤمن كمشاعر وأحاسيس داخلية، ويمتزج بالشخصية، ويتحول إلى خصوصية له، ولهذا السبب فإن الأرواح العالية تعيش دائمًا في حال الدعاء.
الحمد لله حمد الشاكرين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين خير ولد عدنان نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم الذي لم يجاره في علمه إنس ولا جان أفضل الخلق وأبلغهم ، وعلى آله وصحبه الأطهار إلى يوم الدين. نتحدث اليوم في هذا المقال عن أمرٍ هام كثير ما غفل عنه المسلمين ألا وهو الدعاء. فعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "الدعاء هو العبادة ثم قرأ:
{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} رواه الترمذي بسند حسن صحيح
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
"ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم؛ إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.قالوا: إذا نكثر. قال: الله أكثر" . صححه الألباني
إن أولياء الحق والأنبياء جميعهم الذين أُرسلوا رحمة للعالمين كانوا يتوجهون بقلوبهم دائمًا نحو الله تعالى في الضيق والسعة وفى السراء والضراء، وكانوا يعيشون في جو من الدعاء والرجاء والتوسل. وهؤلاء كانوا قدوة أبدية نتعلم من أحوالهم وتصرفاتهم، وسلوكهم وضرورة أن نكون في حال دعاء إلى الله تعالى في كل وقت وكل حال.
إن الدعاء والأِستغاثة بالله تعالى قانون فطري ومتطلب عبودي وكل شيء في السموات والأرض هو في حال إنقياد وطاعة للتقدير الإلهي، وذكر وتضرع ودعاء له سبحانه وتعالى صاحب القدرة اللامحدودة. والتربية الدينية الحقيقية تهدف دائمًا إلى أن تغرس حال الدعاء في روح المؤمن، لأن الدعاء هو مفتاح أعظم باب يُفتح فيه القلب على الله تعالى. فعندما يتكرر الدعاء يُنقش على روح المؤمن مشاعر وأحاسيس داخلية، ويمتزج بالشخصية، ويتحول إلى خصوصية له. ولهذا السبب فإن الأرواح العالية تعيش دائمًا في حال الدعاء، لأن قلوبهم في حالة اندهاش وخوف من ذلك التنبيه الإلهي الذي جاءت به الآية الكريمة عن أهمية تواصل الدعاء في قوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ } (الفرقان، 77)
وهكذا فإن تحول مشاعر التوسل بالدعاء إلى الرب تعالى في روح أي مؤمن إلى حال دائم يؤسس رابطة معنوية بين الله تعالى والعبد، أما الدعوات في حال الوجد فهي لحظات احتضان القلب بالرحمة الإلهية.
والمطلوب في الدعاء هو الرحمة والمرحمة الإلهية، وعلى هذا النحو فإن أول تعبيرات ترتفع في الدعاء من القلوب إلى العَتَبات الإلهية يجب أن تكون الأِعتراف بالعصيان والذنب والضعف والعجز. والدعاء هو التوجه إلى الحق سبحانه وتعالى صاحب القدرة اللامحدودة بشكل يبين عجزنا وانحناء الرأس في سكون وتسليم في حضرته سبحانه وتعالى.
حقيقةً فإن البداية هي الأِعتراف بالقصور، والعجز في الدعاء يُحْرز ويجعل تأثيراً كبيراً في طلب الرحمة الإلهية، وفى قبول الدعاء بالتبعية. فمثلاً آدم وحواء (عليهما السلام) قد توجها إلى الله تعالى بالدعاء كما أخبرتنا الآية الكريمة:
{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِين} (الأعراف، 23)
وفي آية أخرى لجأ يونس عليه السلام إلى ربه تعالى ودعاه فقال:
{وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين} (الأنبياء، 87)
وذلك الدعاء الذي دعا به السلطان العثماني مراد الأول -الذي حكم العالم- في بدايات معركة كوسوفا الأولى(منطقة في البلقان) هو نموذج من أعظم نماذج إستجلاب بركة الدعاء الذي يتم فيه الأِعتراف بعجزه وضعفه حيث قال متضرعا الى العلي القدير سبحانه وتعالى:
«إلهى المُلك لك وهذا العبد لك، أنا عبد ضعيف عاجز، وأنت أعلم العالمين بأسراري ونيتي، تعلم أن مقصدي ليس المال والملك، وإنما أرجو رضاك وحده ، يا إلهي لا تهزم جندك المؤمنين على يد الكافرين، وأنعم عليهم بنصر من عندك ليكون عيدًا للمسلمين جميعهم، ولو رغبت وطلبت وأردت فليكن عبدك مراد هذا قربانًا في يوم العيد هذا».
وعقب هذا الدعاء الحار سكنت العاصفة التي تتابعت حتى تلك اللحظة، وعقب حرب دامية استمرت ثماني ساعات ضد جيش يزيد بضعفين أو بثلاثة أضعاف جيش السلطان مراد تحقق النصر في النهاية لجيش السلطان.
وبينما كان السلطان مراد يتفقد أحوال الجرحى ويتأمل حالتهم طعنه جريح صربي بخنجر كان يخفيه، وذاق مراد طعم الشهادة، وهكذا قُبل دعاؤه كاملاً.
إن الدعوات الحارة الحقيقية التي هي أجمل كلمات الأرواح العالية تولد من النور والعشق، وتعطي الحياة الأمل، وتعزي وتواسى القلوب المكلومة. والأدعية التي تتم بالإخلاص والصدق ودمع العين هي دعوة وطلب للرحمة الإلهية، والذي يمنح الخشوع للقلب في الدعاء هو إخفاء سر التسليم إلى الرب تعالى.
وأجمل من علمنا الدعاء بحياته سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فكثيراً ما كان عليه السلام يدعو في صلاته التي يؤديها حتى تتورم قدماه، والدموع تبلل لحيته الشريفة، ويلتجئ إلى الله تعالى مُقرًّا بعجزه وضعفه فيقول:
"اللهم أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك. لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك" (مسلم، الصلاة، 222)
وقد وصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم الدعاء في أحاديث أخرى فقال فيما معناه: "الدعاء هو العبادة" (ابو داود، الوتر، 23/1479)
وقال أيضًا: "الدعاء مخ العبادة" (الترمذي، الدعوات، 1/3371)
وقال أيضًا: "ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء" (الترمذي، الدعوات، 1/3370)
وقال أيضًا: "من لا يدعو الله يغضب عليه" (الحاكم، المستدرك، 1، 667/1806)
وقال أيضًا: "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء" (الترمذي، الدعوات، 9/3381)
وقال أيضًا: "إن ربكم تبارك وتعالى حيٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" (ابو داود، الوتر، 23/1488)
وقال أيضًا: "الدعاء سلاح المؤمن و عماد الدين و نور السماوات و الأرض" (الحاكم، المستدرك، 1، 669/1812)
والواقع أن الذين يضحكون في وجوه اليتامى المتألمين، ويمنحون السكينة للبشر التعساء يكون دعاؤهم مقبولاً أكثر من البشر الذين يظلمون الناس، ويحتقرون الضعفاء ويعيشون حياة الغفلة.
وفي الحقيقة فإن دعاء عاشقي الحق الذين يذرفون دموعهم من قلوبهم دون توقف طلبًا لمغفرة الذنوب يكون دعاؤهم أهلاً للقبول والأِستجابة، وليس دعاء المتكبرين الذين يرون أنفسهم بلا ذنب أو جريرة.
ويتحدث مولانا جلال الدين-قدس سره- عن قبول الدعاء فيقول: «ادع وتُب بقلب مملوء بنار الندامة وعيون دامعة، لأن الأزهار تتفتح في الأماكن المشمسة الرطبة»
وعلى هذا فإنه لا يكفي لقبول الدعاء أن تعبر عنه بلسانك فقط، بل يجب أن تسعى لأن يكون الدعاء بين “الخوف والرجاء”ويجب أن يرتعد القلب ويرتجف بالمعاني التي يحملها الدعاء، وفى نفس الوقت يجب أن يحمل الدعاء عزمًا وتصميمًا أكيدًا على عدم ارتكاب الذنب مرة أخرى إذا أُريد لهذا الذنب أن يُغفر.
ويُروى أن سيدنا موسى عليه السلام صادف رجلاً يدعو ربه في ذلةٍ وتواضع فخطر على قلبه أن دعاء هذا الرجل جدير بالقبول نظرًا لحالته الظاهرة، وفى تلك الأثناء أوحى الله سبحانه وتعالى إلى سيدنا موسى عليه السلام:
"أنا أرحم منك بعبدي ولكنه يدعوني بلسانه فقط، أما قلبه فعند قطيع الأغنام التي يملكها" (الترمذي، البر، 05/1980)
وعندما أخبر سيدنا موسى عليه السلام ذلك الرجل بهذا الأمر جمع الرجل شمله في الحال وتوجه إلى الله تعالى بقلب خالص.
ومن ناحية أخرى فإن الدعاء الذي يتم بظهر الغيب لأخيك في الدين يُستجاب بسرعة. وفى هذا يقول رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم:
"مَا دَعْوَةٌ أَسْرَعَ إِجَابَةً مِنْ دَعْوَةِ غَائِبٍ لِغَائِبٍ" (الترمذي، البر50)
ويُطلب الدعاء من الأشخاص الذين يُظن أن دعاءهم سيُقبل. وهكذا فإن السبب الحقيقي الذي يضمن قبول الدعاء هو الإخلاص والصدق. ويمكن القول بأن دعاء صدر من قلب مذنب لأخيه المؤمن -لكن بشكل صادق- خير من دعاء بلا روح ولا قلب صدر عن فرد يظن أن مكانه عند الله تعالى أعلى من الآخرين. ولعل تلك الأِستغاثة والدعاء التي صدرت عن قلب مولانا جلال الدين الرومي -الذي كان قلبه بحرًا للشفقة والرحمة- هي استغاثة مانعة جامعة إذ يقول:
«يا ربّ لو كان يأمل في رحمتك الصالحون فقط، فلمن يلجأ المجرمون العصاة؟ يا إلهي العظيم لو قبلت عبادك الخواص فقط، فلمن يذهب المجرمون ويتضرعون؟»
حقيقةً فإن أي عبد -حتى ولو كان مذنبًا- لا يجب عليه أن يترك حال الدعاء أبدًا إلى الله سبحانه وتعالى ، لأن الله تعالى وحده هو الذي يعلم بدعاء من سيصل الإنسان إلى مراده.
ولهذا السبب يجب على الإنسان -مهما كان- أن يدرك قيمة أن يستطيع أن ينال دعوات قلبية من واحد من عباد الله تعالى الصالحين.
فذات يوم صادف معروف الكرخي سقاءً في السوق، وكان السقاء ينادى قائلاً: ”اشربوا من مائي لتنالوا رضاء الله سبحانه وتعالى“ . فأخذ الشيخ معروف الكرخي الماء من هذا الرجل وشرب مع أنه كان صائمًا صيام نَفْل وذلك لينال حظًّا من دعاء هذا السقاء، وبعد أن توفي معروف الكرخى رآه أحد أولاده في المنام في مكان جميل، فسأله: بأي عمل أعطاك الله تعالى تلك المكانة الجميلة وأكرمك ؟ فقال: ”بدعاء السقاء الذي أدرك رضاء الله تعالى “.
وهناك مسألة على غاية من الأهمية وهي أنه مثلما نطلب الدعاء من المظلومين ومن المؤمنين منكسري القلوب فلابد أن تحذر من سوء دعائهم علينا بنفس القدر.
فمثلاً عندما أتم السلطان السلجوقي علاء الدين كيكوباد بناء قلعة المدينة طلب من بهاء الدين ولد -والد مولانا جلال الدين- ورجاه أن يرى القلعة وأن يوضح رأيه فيها تبركًا بذلك. فذهب بهاء الدين ولد ورأى ما صنعوه وقال للسلطان:
”قلعتكم تبدو قوية وجميلة فوق العادة لتمنع مصائب السيل وهجمات العدو، ولكن ما الذي اتخذته من تدابير لمواجهة سهام دعوات المظلومين والمنكسرين تحت حكمك؟ فسهام تلك الدعوات لن تثقب أو تدمر قلعة مثل قلعتك فقط، بل تثقب وتدمر آلاف القلاع، وتحيل الدنيا إلى خراب. فأفضل شيء لك هو أن تسعى لأن تصنع أبراج تلك القلعة من العدالة والطيبة، وتبنيها من الصالحين فتأتيك الدعوات الحسنة. وهذا سيكون أكثر أمنًا لك من تلك الأسوار، لأن هدوء الدنيا والناس وأمنهما مضمون بجنود الدعاء تلك“
وفى الحقيقة فإن كل أنواع النجاحات والأنتصارات والمكاسب التي يحققها المؤمنون -إلى جانب سعيهم وجهودهم- تتم ببركة الدعوات الصالحة المخلصة. والقرآن الكريم الذي هو مرشد السعادة الأبدي لنا في تلك الحياة يحتوى على أكبر تعاليم الدعاء. وقد تحدث ربنا جلّ جلاله عن الدعاء في عدة آيات فقال:
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} (الأنعام، 40–41)
وقال تعالى:
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِين} (الأعراف، 55)
وطلب حُسن الخاتمة هو واحد من أهم الدعوات التي هي رأس مالنا الوحيد الذي ينجينا في الآخرة، والذي يجب ألا ننساه في تلك الحياة الفانية. يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}(آل عمران، 102)
والجهود التي يبذلها كل مؤمن طوال عمره تكون من أجل الوصول إلى السعادة عند الأنفاس الأخيرة، لأنه لا أحد يأمن على نفسه سوى الأنبياء والرُسل عليهم السلام، حتى أولياء الله كانوا دائمًا يحملون هم الأنفاس الأخيرة.
وعلى الرغم من أن الحال التي سيموت عليه الإنسان يظل مجهولاً غير معلوم إلا أن هناك حقيقة هي أن الإنسان سيموت على الحال الذي عاش عليه، ولهذا السبب يجب أن نعيش دائمًا في حال إستغفار ودعاء إلى الله تعالى، لكي يثبتنا على الصراط المستقيم لنخرج نَفَسنا الأخير ونحن على الإيمان. وكان سيدنا يوسف عليه السلام يدعو كما ذكرت الآية الكريمة فيقول:
{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِما ًوَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين} (يوسف،101)
وكان دعاء الصالحين -الذين مدحهم الله تعالى بوصفه لهم بأولى الألباب- كما ورد في القرآن الكريم يقول:
{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَار} (آل عمران، 193)
وموقف سحرة فرعون فيه العبرة والعظة الكبيرة لنا، فعندما عرفوا الإيمان عند مواجهة معجزة سيدنا موسى عليه السلام لم يهابوا أو يخشوا عذاب فرعون، أو تهديده لهم بالقتل، بل دعوا الله تعالى أن يسلموا أرواحهم وهم مسلمون دون أن يُصاب إيمانهم بالضعف.
ومن ناحية أخرى فإن الوصول إلى اللطف الإلهي في الدعوات لا يكون بالجمل البراقة، التي لا تمتزج بالقلب والتي تُقال رياءً بصوت عالٍ جهوري فقط، ولا بالتأوهات والصيحات التي تصدع الأكباد، ولا بالكلمات المُنمقة، لأنه لو كان الأمر كذلك لما قُبل دعاء المريض المسكين المضطر الذي احترق بالدمع السّاخِنِ، ووهن صوته حتى لا يكاد يُسمع، ولما قُبل دعاء البؤساء الضعفاء الذين حُبست كلماتهم في أنفاسهم. وهكذا لو كان الدعاء لصاحب الإبانة فقط، لما عُرف لسان القلب والحال.
والواقع أن وجود مثل هذا التنميق في الدعاء يضعف أساسًا جوهر الدعاء وروحانيته وقدسيته، فعَنِ ابْن سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلاَسِلِهَا وَأَغْلاَلِهَا وَكَذَا وَكَذَا فَقَالَ:
يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: "سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاء، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّر" (أبوداود، الوتر، 23/1480)
وَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث آخر:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ" (البخاري، الجهاد، 131)
فالله تعالى لا يرد الدعوات الخالصة الصادقة. ولكن رغم تلك الدعوات الصادقة كلها، فإنه قد لا تُستجاب بعض الدعوات، لأنها لم توافق القدر. ولهذا السبب يجب على الداعي أن يدعو دائمًا ولا يظهر الملل أو القنوط في أي وقت أبدًا، لأنه يُقال إن عوض الدعاء في أحوال كتلك يُدخر إلى عالم الآخرة.
والقلب المغموس في وجد الدعاء لابد أن يدرك أنه قد لجأ إلى أعظم باب، والقلوب التي تنتظر عند باب الدعاء على أمل انفتاحه رحمة لا تمل أو تسأم من الأِنتظار دهرًا على عتبة تلك الرحمة لأن الدعاء والبكاء بسبب أنه نشأ في عالم من الرحمة الإلهية فهو يشبه إكسير سعادة يمنح العزاء والسلوى للقلوب المحزونة، وكوثرًا عذبًا يفرح القلوب المحترقة بعشق الحق سبحانه وتعالى كلما شربت منه.
ويجب ألا ننسى أننا يمكننا أن نصل إلى شرف وعزة وحيثية أن نكون بشرًا حقًّا عندما يعفو الله تعالى عن ذنوبنا. ويجب على كل الذين يطلبون الوصول إلى سر العفو الأبدي عند الموت، والذين يريدون تذوق الألطاف الإلهية والمنح الربانية اللامحدودة أن يسعوا في البداية إلى إخراج عطر العفو من الورد الموجود في حدائق القلب بالدعاء والرجاء في حال الوجد. ونحن أيضًا ندعو ونتوسل إلى الله تعالى صاحب القدرة والرحمة المطلقة أن يرحمنا ويمُن علينا بعطايا العفو. .. يا ربِّ بكرمك ولطفك اجعل لنا نصيبًا من الرحمة والمغفرة الإلهية بالعشق والوجد ودموع العين الصادقة، واجعل قلوبنا خزائن رحمة لا تنفد على مخلوقاتك على أمل أن ننال الرضاء الإلهي، وبحرمة الدعوات النورانية لعبادك المخلصين أنعم على وطننا المبارك بالسعادة والرَّفَاهِ، وعلى أمتنا الأِسلامية بالحق والخير. آمين...
نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 11، 11/2013