التوبة و دمـوع العـين

تُب وادع بعيون دامعة وقلب مملوء بنار الندم،

لأن الأزهار تتفتح فقط في الأماكن المُشمسة والمُبتلة

ذات يوم سأل حائك أحد الصالحين عن معنى حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي يقول فيه:

»إن الله تعالى ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر« (ابن ماجه، الزهد، 30)

فسأله هذا الرجل الصالح: نعم هو كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. هل لي أن أعرف ما مهنتك؟. فقال له: أنا حائك أخيط الملابس. فسأله: ما أسهل شيء في الحياكة؟ فقال له: قص القماش.فسأله: منذ كم سنة وأنت تعمل في هذا العمل؟ فقال له: منذ ثلاثون سنة. فسأله: عندما تبلغ الروح الحلقوم، هل تستطيع قص القماش؟ فقال له: كلا... لا أستطيع.

فقال له الرجل الصالح: أيها الحائك إذا كنت لا تستطيع أن تعمل عملاً كنت تعمله وتمارسه وتتقنه لثلاثين سنة، فكيف يمكن عند لحظة الموت أن تقوم بالتوبة التي لم تعملها ولا مرة في عمرك؟!! فتُب اليوم وأنت في حال القوة، وإلا فلن يكون لك نصيب عند الاحتضار من الاستغفار وحسن الخاتمة، ألم تسمع تلك الكلمة أبداً: ”عجلوا بالتوبة قبل الموت“ وعند ذلك غَلف التوبة بالإخلاص. عندها أصبح الحائك أيضاً من الصالحين.

ومثلما رأينا في هذه القصة فإن مزالق الشهوة والدنيا المتنوعة التي تُعرض للعباد رغم خطورتها إلا أن أخطرها – بشكل حقيقي- هو تأخير التوبة باستمرار،  بينما التوبة هي طوق نجاة الروح طوال عمرنا، قال قتادة: إن القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داؤكم فذنوبكم وأما دواؤكم فالاستغفار.(انظر: البيهقي، شعب الإيمان، جـ9، ص 743)  لأن الاستغفار -الذي له مكانة مهمة في التوجه إلى الله تعالى وإكساب القلب مستوى علوي- هو الوسيلة الوحيدة للتخلص من الأدران المعنوية. والتوبة التي ترفع الحُجب والعوائق التي بين العبد وربه مهمة إلى أقصى درجة من أجل نجاح الأعمال الصالحة، لذلك يجب إلغاء الأمور التي تمنع الوصول إلى الهدف، وهكذا يتحول القلب إلى عامل مساعد لهذه الغاية النبيلة. وبهذا السبب فإن طرق التصوف كلها تبدأ بالاستغفار والأوراد التي في الأسحار من أجل التكامل الروحي. والتوبة الأولى بدأت أول ما بدأت من سيدنا آدم عليه السلام، وفي تلك التوبة دعا ربه تعالى:

{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ}(الأعراف، 23)

وقد أصبح هذا الدعاء نموذجًا للاستغفار لذريته التي ستأتي من بعده حتى يوم القيامة.

لكن الإخلاص والصدق هما شرطان لازمان في كل عمل صالح. وهكذا فإن كثيراً من أهل الله كانوا يتوبون عن التوبة التي يتوبونها، أي أنه توجد ضرورة أن نستَعِيذ بالله تعالى من التوبة التي تحتاج إلى التوبة، وأن ننال سر” تَوْبَةً نَّصُوحاً“ التي ذُكرت في الآيات، لأن النفس والشيطان عندما لا يجدان طريقًا لخطف القلب يظهران في صورة الحق ويصبح كل منهما معلمًا يرشد هذه المرة إلى الجمال والخير. وهكذا يسقط العبد في حبائلهما ويضيع توبته ويجعلها هباءً منثورًا، بينما النكوص عن التوبة دون توقف هي آفة تجعل الآخرة سوادًا، يقول الله تعالى:

{عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}(الإسراء، 8)

لأن الشخص الذي يُفسد توبته دون توقف يصبح مسخرة للشيطان، فضلاً عن ذلك فإنه لو تاب في أي وقت فإن الشيطان أو الغافلين الذين أصبحوا شياطين له يفسدون توبته هذه المرة من جديد بقولهم: «وآسفاه عليك، واحزناه عليك».

ومن أجل ذلك تقول الآيات الكريمة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(التحريم، 8)

وقد ذُكر في كتاب الحديث”الجامع الصغير“ أمر يستوجب الدهشة في موضوع التوبة، وهو أن الملك المُكلف بكتابة السيئات لا يكتب الذنب على المذنب إلا بعد مضي ست ساعات، وهو ينتظر طوال تلك المدة لعل المذنب يتوب. ولهذا السبب لا يجب القول: «إنني لم أستطع أن أحافظ على توبتي واقترفت الذنب مرة أخرى، ولهذا السبب يلزم ألا أتوب». بل يجب على المُذنب الاستغفار الدائم، لأن الله تعالى قد ينعم عليه ولا تفسد توبته مرة أخرى، ولكن يجب أن نعلم أن التوبة تتحقق بالندم الشديد عند طلب العفو، والعزم على عدم ارتكاب هذا الذنب مرة أخرى. ومن أجل ذلك فقد نبه الحق سبحانه وتعالى إلى ذلك في كتابه الكريم فقال:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُور}(لقمان، 33)

وهذا الحديث الشريف لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي يقول فيه:

»يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي الله فَإِنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الذَّنْبِ النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَار« (أحمد، المسند، جـ.6، 264)  يشير إلى توبة لا يعقبها التفكير في الذنب مرة أخرى.

وهذا الحديث الشريف يوضح ضرورة أن تبدأ التوبة بالندم ويُقال إن أدران هذا الذنب تطهرها دموع العين الحارة. فيُروى أن أحد المذنبين بعد أن تاب وندم أُعطيت له قائمة بالذنوب التي اقترفها وقيل له: اقرأ هذا . فبكى هذا المُذنب المُجرم في حق نفسه أمام تلك الأعمال ولم يعد يستطيع أن يرى ذنوبه التي في تلك القائمة بسبب دموع عينه، وفى النهاية فإن هذه الدموع الحارة الحقيقية غسلت ذنوبه كلها وطهرته، وهكذا عفي عن هذا المُذنب. وعلى هذا النحو فَرُب ذنب يتطلب ألف دمعة لتمسحه، ورُب دمعة واحدة تمسح ألف ذنب، لأن دمع العين هو عين ماء التوبة للداخلين إلى بستان المحبة الإلهية، وهو يطهر الذنوب ويمسحها، وهو تعبير عن الشكر تجاه الرب سبحانه وتعالى. ودمع العين هو دار الأمل في الله تعالى، والسعداء الحقيقيون هم الذين يستطيعون البكاء على عتبة تلك الدار في اللحظة التي تنقطع فيها الآمال كلها. وكل دمعة من تلك الدمعات للذين يشاهدون العالم بدموع حارة تشبه مرايا تعرض ألف محيط ومحيط في صدرها، لأن كل ذرة فيها تعظيم وإكبار للأسرار الإلهية. وصفحات الحكمة التي يمكن أن تُقرأ كثيرًا تُقرأ بتلك الدموع. لأن دمع العين هو لسان يعبر ويحمل معانٍ لن تستطيع الكلمات أن تحملها، لأن العبد بهذا يريد أن يطلب من الرب تعالى أشياء لن تستطيع نفسه أن تتخيلها. ومن أجل ذلك فإن العشق يجد العزاء والسلوى عند عين ماء الدمع، ويستريح الغرباء البؤساء على شاطئها.

وما أجمل تلك القصة التي توضح قيمة دمعة سُكبت من العين لله تعالى، فذات يوم كان الجنيد البغدادي -رحمه الله- يسير في طريقه فرأى كأن الملائكة تنزل بشيء من السماء، وبلهفة تستخرج شيئًا من الأرض فسأل واحدًا منهم: ما الشيء الذي تخرجونه من الأرض؟ فأجابه الملك قائلاً:

»بينما كان يمر من هنا حبيب للحق خرجت منه لفظة (آه) باشتياق وسُكبت من عينيه عدة دمعات، ونحن نستخرج تلك الدمعات قائلين لينال رحمة الله تعالى ومغفرته بهذه الوسيلة«.

ويقول الحديث الشريف:

»عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله« (الترمذي، فضائل الجهاد، 12)

وقد تحدث مولانا جلال الدين-رحمه الله- عن المياه التي تتسخ ثم تتبخر بعد ذلك وتعود مرة أخرى لتسقط على وجه الأرض نقية نافعة كمثال على كيفية تطهير الذنوب بالتوبة وبدموع العين فقال:

»عندما ينفد الصفاء والنقاء أي عندما يتعكر الماء ويتلوث بالطين، ويصبح الماء بالنسبة لنا مصدرًا للقلق على الأرض بسبب تلوثه، ويُصاب الناس بالحيرة والدهشة، ويبدأ الناس بالاستغاثة والابتهال والدعاء للحق وعقب تلك الاستغاثات والابتهالات يتبخر الماء ويصعد إلى السماء ويمر هناك بطرق متنوعة حتى يتطهر تماماً، وبعد ذلك ينزل إلى الأرض مطرًا أو ثلجًا، وبعد ذلك يصل إلى بحر واسع لا شاطئ له.«

وبلا شك فإن تلك الأمثلة توضح مدى المحبة والرحمة التي يظهرها الرب سبحانه وتعالى تجاه عبيده المُذنبين الذين يسعون إلى النجاة، فلو توفرت شمس الندم مع ماء التوبة في الأشخاص الذين تلوثت قلوبهم بأدران الذنب، فإن الحق سبحانه وتعالى يأخذ تلك القلوب إلى السموات، ويطهرها من التراب والطين ومن أدران الشهوة كلها. ومرة أخرى ينعم الله تعالى على الإنسان أشرف مخلوقاته بالرحمة، وهذا المعنى يتحقق ويتجلى في أوسع صورة له في الصلاة، ذلك أن الصلاة التي تُؤدى على أكمل وجه هي” معراج المؤمنين“ .

ولأن الإنسان كثيراً ما يغفل عن تلك الحقيقة وتلهيه الدنيا ويضحك بدلاً من أن يبكي حتى يختنق من كثرة الضحك، لذا نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم:

{وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ}(النجم، 61)

ويقول لرسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم مخبرًا عن حال هؤلاء:

{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(التوبة، 82)

أي أن الله تعالى يريد من عبده تطهير الذنوب بالتوبة ودمع العين، وفى هذا المعنى يحكي مولانا جلال الدين-رحمه الله-عن أهمية دمع العين فيقول:

«عندما تبكي الشمعة وتذرف دمع العين تنير أكثر، وغصن الشجرة يخضر ويتجدد ببركة السحب التي تبكي وبحرارة الشمس، أي أن الحرارة والماء لازمين لنمو الثمر».

«ومثل هذا تمامًا فإن السُحب والبرق ضرورية من أجل قبول التوبة أي دمع العين وحُرقة القلب».

«فلو لم تقدح شرارة القلب ولو لم تسكب سُحب العين مطرها، فكيف تطفئ نار غضب النفس لهب الذنب؟ وكيف ينبثق فيض الوصول إلى بريق نور التجلي الإلهي في القلب؟ وكيف تفور وتتدفق منابع الروح والمعاني؟»

«ولو لم تهطل الأمطار. فكيف ستبوح حديقة الورد بالسر إلى العشب الأخضر؟ وكيف يتعاهد البنفسج مع الياسمين؟»

«فاترك الطبيعة ولتبك مرارًا وتكرارًا،  فهذه الأراضي عندما تنفصل عن الماء تتحول إلى أرض سبخة، والمياه التي تسقط بعيدًا وتبقى منفصلة عن الأنهار والجداول تفسد وتتلوث و تأسن»

«والحدائق والغابات شديدة الخضرة مثل الجنة عندما تُحرم من الماء تصفر وتذبل وتجف أوراقها وتتساقط وتصبح وطنًا ومكانًا للمرض. والإنسان كذلك».

ومن أجل أن نحمي أنفسنا من تلك الحال فلابد أن نكون مثل سيدنا شعيب عليه السلام الذي عميت عيناه من البكاء، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في حديثه الشريف:

«لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» (البخاري، التفسير، 5/12)

لذلك فإن جنود القلب التي تنظف وتطهر الجراح التي تتكون في القلب من الذنوب طوال العمر بدموع العين يمكن أن تجعل تلك القلوب من القلوب العاشقة التي تستطيع أن تدخل إلى جنة العفو. ومن ذلك فإن الأنبياء والأولياء والصالحين والصادقين كلهم كانوا يلجؤن إلى الله تعالى دائمًا في الضيق والسعة والحزن والفرح وهم في حال مناجاة وحُرقة دائمين. لأنه لا يمكن تصور أن هناك عبدًا يستطيع الاستغناء عن الاستغفار والتوبة، لأن وجود الزلات التي تتحقق بشكل لا إرادي هو أمر موجود حتى في الأنبياء (عليهم السلام). فالتوبة والاستغفار هما أكثر الوسائل تأثيراً في القرب إلى الله تعالى، لأنهما يشكلان شعورًا بندم واستعاذة داخلية صادقة خالصة.

ومن ناحية أخرى فإن التوبة ودموع العين التي يريدهما الحق سبحانه وتعالى من عباده بالمحن والشدائد التي يبتلى بها عباده هي تجارة أبدية. وإن الذين يختارون تجارة رابحة -كتلك التجارة- لا يشتكون أبدًا من أية مصيبة، لأنهم يعلمون أنهم سيفوزون فوزًا عظيمًا أبديًّا. وقد عبر مولانا جلال الدين كواحد منهم عن هذا أجمل تعبير فقال:

«إن الله تعالى يأخذ منك عدة دمعات في هذه الدنيا، ولكن في مقابل هذا ينعم عليك بأنهار كثيرة في الجنة. وهو يأخذ منك استغاثات وآهات مملوءة بالمحبة والألم، وفى مقابل كل آهة وكل استغاثة يعطيك مئات من المراتب العالية المعنوية ومقامات لا يمكن الوصول إليها». لكن يجب أن نعلم أن الدموع كلها ليست سواء،  بل توجد فروق كثيرة فيما بينها، فكثير من التأوهات الكاذبة الباردة المصطنعة هي تعبير عن الغفلة والاِنخداع، يقول سفيان الثوري: «البكاء عشرة أقسام، تسعة منها رياء، وواحد فقط منها لله تعالى. وبكاء كهذا من أجل الله تعالى يكون وسيلة بإذن الله لخلاص العبد من جهنم».

ويُروى أن امرأة جاءت باكية تشكو زوجها إلى القاضي شريح، وكان الشعبي حاضرًا فقال:

«يا أبا أمية، أظن أن تلك المرأة مظلومة، أفلا ترى كيف تبكى؟!»

وعند ذلك قال القاضي شريح:

«يا شعبي، لقد جاء أخوة يوسف إلى أبيهم يبكون وهم ظالمون، فلن يكون حكمك صحيحًا لو نظرت إلى هذه الدموع».

ومن المؤكد أن دموعًا كتلك مردودة،  والبكاء الذي يفيد الذلة والمسكنة هو بكاء آخر كريه، ودموع الأشخاص الخاسرين الذين لم تعرق جباههم هي دموع فارغة غير مفيدة. إن الدمع والبكاء الذي يريده الله تعالى ليس دمعًا يحط من قدرنا أمام الصديق أو العدو، بل على العكس هو دمع يرفعنا إلى عنان السموات ويُحْيِي القلب. فكما أن البحار الواسعة تحمل فيها كثيرًا من الزبد والغثاء والقذى، وكما حفظتها من الغرق في الأعماق فيجب أن تكون دموعنا نحن من قبيل المياه التي تحمينا وتحفظنا من الغرق وتحملنا فوقها لتوصلنا إلى المنزل المقصود. وهذه الدموع تكون عبارة عن قطرات تسيل من القلب أكثر من العين وتعرض على الحق تعالى وليس على الخلق. وهناك مسألة هامة أخرى بشأن البكاء هي: أنه يجب ألا يكون هذا البكاء بكاء شكوى، لأن الشكوى تنم عن حال عدم الرِضى وهذا ليس مقبولاً في الأساس. لأن الشكوى تحمل الإنسان إلى العصيان وتمحو رأس ماله كله الذي في يده، وهذا يجلب غضب الرب سبحانه وتعالى. أما البكاء الذي نقصده نحن فليس يجلب الغضب، بل هو فكر يَسُرُّ الحبيب والصديق ووسيلة تطهر من أدران الذنب.

والحاصل أنه عندما يأتي الموت يستيقظ النائمون أي يفتحون عيونهم ويرون الحقيقة. ولكن ليست هناك أية فائدة تُرجى من رؤية الحقيقة عند النفس الأخير تمامًا مثلما لم تنفع فرعون. وما أجمل قول مولانا جلال الدين-

«إن العقلاء يبكون قبل الموت، أما الجهلاء فيتأسفون ويضربون رؤوسهم في نهاية العمل، فشاهد نهايتك في بداية العمل، ولا تكن من النادمين يوم القيامة».

وليكن حال الطائر في تلك القصة عبرة لك، فقد رأى الطائر حبات القمح في شبكة الصياد فاندهش وتحير وتحول إلى حال لم يستعمل فيه عقله، وهكذا أكل القمح بشكل لا إرادي ولكنه سقط في الفخ. فهذه المرة كم قرأت سورة يس وكم قرأت سورة الأنعام لتخلص رأسك من الألم، ولكن ما الفائدة؟ وبعد أن جاء البلاء واشتد فما فائدة البكاء والتأوه والإستغاثة والشكوى؟ فهذا التأوه والشكوى والإستغاثة كانت واجبة قبل السقوط في الفخ.  فمثلاً سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما سمع أن قوم لوط سيهلكون بسبب شهواتهم الحيوانية التي جلبت لهم الأنتقام الإلهي، أراد أن يدعو لهم بالرحمة بسبب جهلهم بحجم تلك المعصية، فقالت له الملائكة:”لقد مضى وقت الدعاء“.

فالموت على مراد الله تعالى ليس معلومًا لنا أين ولا متى ولا كيف سيأتي؟ ومن أجل ذلك فمن الضروري أن نمزج القلوب بسر «موتوا قبل أن تموتوا»، وأن نتجهز في كل لحظة لملاقاة الرب سبحانه وتعالى. أما عكس تلك الحال عندها تكون الأنفاس الأخيرة لحظة خسران مليئة بالاستغاثات والتأوهات تقول عندها: «آه. هكذا. إلى أين؟!».

وتقول الآية الكريمة:

{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كَنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}(ق، 19)

وعلى هذا فإن أهم قضية للعبد هي تزكية النفْس، وتصفية القلب، وكل ما ذكرناه حتى الآن عن التوبة ودمع العين هو بمثابة باب فقط لنيل هذه الحال. وبعد أن نلج من هذا الباب يجب أن نحيي الأعمال الصالحة كلها. وعقب أداء الفرض الواجب والسنن يجب على المرء أن يتحلى بالجماليات قبل أداء حق العباد وحق الوالدين، والإنفاق في سبيل الله تعالى، والرحمة بالمخلوقات كلها، والشفقة والعفو. فمثلاً إن الذين ارتبطوا بمزية العفو من هذه الجماليات يليقونَ أكثر بالعفو الإلهي، لأن الذين حرموا من المحبة والرحمة ولم تصغ قلوبهم لاستغاثات «لترحمونا» فهم عابروا الحياة الحيارى المحزونون المهزومون. ومن أجل ذلك يجب على القلوب أن تتوجه إلى الرب تعالى متمسكةً بجماليات السلوك كلها في جو من التوبة والبكاء، ومما لاشك فيه أن هذا التوجه يجب أن يحتوي كل لحظات العمر. ومع هذا فإن بعض الأزمنة الاستثنائية هي موسم ربح مختلف تمامًا بالنسبة للعباد. فمن بين مواسم الربيع الأخرى يوجد موسم ربيع معنوي يمنح العباد الجمال والقيمة.

وأعلى مواسم الربيع تلك هو شهر رمضان الذي فيه ليلة خير من ألف شهر وهى ليلة القدر التي نزل فيها القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليغمر النور الدنيا والبشر جميعَهم. ومثل هذا الشهر المبارك، وتلك الليلة العظيمة هي بدر منير يضيء القلوب التي أظلمت بالنور والضياء، وهي نافذة تفتح من السماء على الأرض للعروج والوصول. ومن هذه الناحية يجب على المؤمنين إيقاظ القلب وأن يملأوا أعمارهم كلها بالبركة والنور الذي يأخذونه من هذا الشهر الكريم، لأن القيامة بالنسبة للقلوب المزينة بحياة كتلك الحياة لن تكون يوم حسرة وندامة، بل هي تقريبًا صباح يوم عيد.

فيا ربنا اجعل لنا جميعًا صباح يوم عيد كهذا، واجعلنا ننال الرحمة والمغفرة الإلهية بالعشق والوجد ودموع العين الحقيقية. آمين...

نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 2، 11/2011