التصوف وصولٌ إلى الكمال بالقرآن والسنة (4)

الخطوة الأولى في التزكية:

هي تطهير القلب من الكفر والشرك. فكلمة التوحيد تبدأ أولاً بالنفي. وكأنَّك تخرج بقولك: "لا إله" كافة الأهواء والشهوات والرغبات والخصال النفسانية السيئة التي تحولت إلى ما يشبه الأصنام  في القلب. ثم تنتقل بعدها إلى الإثبات. أي يتمُّ مَلْء القلب الذي يُعد محل النظر الإلهيِّ بنور توحيد الله تعالى من خلال قولك: "إلا الله".

لقد خلقنا الله U  في أحسن تقويم، وعلى فطرة الإسلام دون أدنى مقابل.  وزودنا بالنفس لأجل ابتلاء في الدنيا، التي من صفتها وطبيعتها الميل إما إلى التقوى، أو الفجور،  فإمَّا أن تسلك طريق الخير  وتتوجه إلى الطاعة، أو تسلك طريق الشر  تتوجه إلى المعصية.

من هنا فإن أكبر عائق وعقبة ينبغي علينا التغلب عليها وتجاوزها للنجاح في امتحان العبودية في هذه الحياة الدنيا هي النفس الكامنة بين جنباتنا. وللتغلب على عقبة النفس لا بد من تزكيتها،  فلا بد من أن نخوض رحلة التكامل والتربية المعنوية.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: «الإنسان كشمع العسل.  يتأثر شكله جمالاً أو قبحاً، من خلال التربية».

فنجد طفلين  في سنِّ الثالثة، أحدهما يطعم جرو الكلب الصغير حليباً، والآخر يطارده  ويرجمه بالحجارة. فما هذه الأفعال إلا نتيجة فارق التربية التي تلقاها كلُّ واحدٍ منهما. إن التربية المعنوية ضروريةٌ للإنسان من أجل التخلص من النقائص، والقضاء على الميول السلبية القبيحة، وتنمية الاستعدادات والميول الإيجابية الجميلة.

وكذلك يرى الإمام الغزالي أن للإنسان ثلاث قوى فطرية، من شأنها تحديد شكل أحواله وتصرفاته وسلوكياته. وهي:

1)  القوة العقلية.

2)  القوة الغضبية.

3)  القوة الشهوية.

وتنعكس هذه القوى الفطرية الثلاثة على الحياة بثلاث صور: الإفراط، والتفريط، والاعتدال.

فأما الإفراط فهو تجاوز الحدود والمعايير، والوقوع في المبالغة والجموح فوق حد الاعتدال.

وأما التفريط فهو عكس الإفراط. أي النقصان والقصور والخمول والتهاون، والبقاء تحت حد الاعتدال.

وأما الاعتدال فهو الوسط بين الإفراط والتفريط، أي المستوى المقبول للأحوال والتصرفات.

فإفراط قوة العقل مكرٌ وخِداع. وتفريطها بلاهةٌ وحماقةٌ. وأما اعتدالها المقبول فحسنُ تدبيرٍ وفطنةٌ،  ورجاحة رأي.

وأما إفراط قوة الغضب فحِدَّةٌ، وتهوُّرٌ. وتفريطها جبنٌ. وأما اعتدالها المقبول فشجاعةٌ؛ واستخدام للقوة والجسارة بقدرها الضروري.

وأما إفراط قوة الشهوة ففجورٌ، ووقاحةٌ، وبعد عن الأخلاق. وأما تفريطها فجمودٌ. وأما اعتدالها المقبول فأدب، وعِفَّة، وحياء.

إذاً؛ فالتربية المعنوية هي سعي الإنسان لحفظ قواه وميوله وطاقاته من الإفراط والتفريط، والوقوف بها عند مستوى الاعتدال المقبول.

فإذا تُركت هذه الميول الفطرية والغرائز الفطرية بشأنها ولم تَخضع للتربية فإنها تصبح وسيلةً للشرِّ وليس للخير؛ وتتسبب بالضرر بدل النفع. وبناء على ذلك، فإن الإنسان كائن محتاج للتعليم والتربية بشكلٍ حتميٍّ.

وقد أهدى الله U للإنسانية أعظم المعلمين والمربين وهم الأنبياء والرسل عليهم السلام. حيث أرسل الأنبياء بشكل خاص في عصور الجاهلية التي أضاعت فيها البشرية الحقوق وانتشرت المظالم. فربَّى الأنبياء أتباعهم وأرشدوهم على ضوء تربية الوحي، وأنقذوهم من ظلمات الجاهلية إلى نور العلم والمعرفة، فجعلوهم رجالاً كالنجوم استلموا  أسس بناء حضارة الفضائل والخير.

وظائف الأنبياء  أهمُّها ثلاثٌ: جاء في القرآن الكريم:

{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}( البقرة:  151)

يلفت الله تعالى في هذه الآية الكريمة الأنظار إلى ثلاث وظائف مهمة لرسول  الله عليه الصلاة والسلام، وهي:

- تلاوة آيات الله تعالى {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا}.

- التزكية {وَيُزَكِّيكُمْ}.

- تعليم الناس الكتاب والحكمة {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}: أي تعليم الناس الأسرار والحكم الإلهية الكامنة في الكون، والحوادث  وتقلب الأزمنة.

ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد بدأ دعوة أمته إلى الإسلام وعقيدة التوحيد بتلاوة الوحي الذي كان ينزل عليه وتبليغهم إياه. إلا أن هذه الوظيفة هي المرحلة الأولى من مراحل إيصال الناس إلى الهدف النهائي.

وأما الوصول إلى المقصد الأصلي لدعوة التوحيد فيكون بالتطهر التام من قبائح وأدران النفس المعنوية مثل: الكفر، والشرك، والنفاق، والرياء، والكبر، والحسد؛ وببلوغ فضائل الأخلاق من مثل الإخلاص، والتقوى، والخشوع، والطمأنينة والسكينة.

يقول أبو الحسن الخرقاني في هذا المجال:

«الصلاة، والصوم وسائر العبادات عظيمة، ولكن تصفية القلب من الكبر والحرص والحسد وغيرها من الصفات الذميمة أعظم وأجل». (العطار، تذكرة الأولياء، ص، 629)

«لو تطايرت شرارة من التنور إلى ثيابك، فإنك تسارع إلى إطفائها! إذاً؛ فكيف تسمح ببقاء نار شأنها إحراق دينك في قلبك،  فكيف تغض الطرف عن خصالك القبيحة مثل الكبر والحسد، والرياء وهي تتوقد في قلبك؟!»( الخرقاني، نور العلوم، ص، 239)

إذاً؛ التزكية هي تمرير المشاعر والأحاسيس في غربال الإيمان، والوصول إلى حالة نقية صافية من كل شائبة.

وقد فسَّر ابن عباس v عبارة التزكية الواردة في الآية المذكورة بأنَّها «قولُ المرْء: لا إله إلا الله!». (القرطبي، الجامع، 20، 22)

إذ الخطوة الأولى في التزكية هي تطهير القلب من الكفر والشرك.

فكلمة التوحيد تبدأ أولاً بالنفي. وكأنَّك تخرج بقولك: "لا إله" كافة الأهواء والشهوات والرغبات والخصال النفسانية السيئة التي تحولت إلى ما يشبه الأصنام  في القلب. ثم تنتقل بعدها إلى الإثبات. أي يتمُّ مَلْء القلب الذي يُعد محل النظر الإلهيِّ بنور توحيد الله تعالى من خلال قولك: "إلا الله".

ويعبر الشاعر عن هذه الحقيقة بقوله:

«هيا أخرجِ الأغيار وأبعدهم عن لسانك حتى يتجلى الحقّ؛ فالسلطان لا يدخل القصر من غير إصلاحٍ وتزيين...».

وبعد مرحلة التطهير القلبي تأتي مرحلة " تعلُّم الكتاب" الذي يتم فيه بيان الأوامر والنواهي الإلهية التي يجب الالتزام بها.

وإن إمكانية التعمق بالتفكير في القرآن الكريم والتأمل فيه وتدبره تكون بالوصول إلى طهارة القلب. لأنه لا يمكن تلاوة القرآن بتدبر وفهم وإدراك إلا بقلب طاهرٍ نظيف.

يقول سيدنا عثمان t: «لو كانت قلوبكم طاهرةً، لما شبعتم من كلام الله». (علي المتقي، 2، 287/4022)

وبناء على ذلك؛ يشترط أولاً تخليص العالم الداخلي من تأثير الأفكار الباطلة، والمشاعر السفلية، وتزيينه بعقيدة صحيحة سليمة، تزيينه بإيمان سليم وأخلاق حسنةٍ كريمة. وبعد كل هذه المراحل يبدأ العبد بالتحول إلى مظهر لتجليات الحكمة، إلى مظهرٍ لإدراك حقائق الحوادث، والأشياء الباطنية والسرية.

العلم الغير نافعٍ ...

إن اقتران ذكر "التزكية" و"تعليم الكتاب والحكمة" في الآية الكريمة أمرٌ ملفتٌ للانتباه. فهو يشير في أحد معانيه إلى أنه لا يمكن تحصيل العلم بالمعنى الحقيقي بقلبٍ لم يُزكَّ بعد، وأن الذي يتم تحصيله بدون تزكية القلب ويُظن علماً فإنه لن ينفع صاحبه في طريق الخلاص الأبدي.

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه:

«اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوة لا يُستجاب لها».( مسلم، الذكر، 73)

فالإنسان الذي لم يرتق قلبياً محكوم بالجلافة والقسوة. وإذا حصّل العلم وهو بهذه الجلافة فإنه يضر ولا ينفع. فمثلاً إذا صار الإنسان طبيباً وهو فاسد القلب فإنه سيسعى جاهداً لتلبية رغباته وشهواته النفسانية ويتحول إلى سفاح ٍ يتاجر بصحة وأعضاء الناس، فيهلكهم بدلاً من أن يعالجهم ويشفيهم. وكذلك المحامي، فإنه سوف يتحول إما إلى رئيس لشبكة إجرامية، أو إلى جلَّاد ظالم، بدلاً من تحقيق العدالة بين الناس.

لأنَّ النفس الأسيرة بين يدي الشهوات والأهواء تجعل العلم الذي تحصله أداةً لتحقيق المنافع والمصالح الدونية. وإن مثل هذا الإنسان سوف يرتكب بالعِلم الذي امتلكه مظالم أفظع مما لا يستطيع الجاهل ارتكابه بجهله. أي أن العلم في يده يتحول إلى حجاب غفلة تزيده عن الحق بعداً، بدلاً من أن يكون مشعل نور يزيده منه قرباً.

يقول مولانا ـ رحمه الله ـ: «كثير من العلماء لا نصيب لهم من العرفان. حيث حفظوا العلم عن ظهر قلب وتجرعوه، ولكنهم لم يصبحوا العبد الذي يحبه الله تعالى!».

وينبغي أن لا ننسى أن كافة العلوم عبارة عن سعي لاكتشاف القوانين والأنظمة التي بثها الله U في الكون. وأما العلم الحقيقي فهو عدم التوقف عند تلك المرحلة، وإنما التقدم بمزيد من خطوات إلى الأمام والتعرف على قدرة الذي وضع تلك القوانين، ومن ثم الانتقال إلى الأسرار والحكم الإلهية.

فقد عبر مولانا عن المرحلة التي بلغ فيها ذروة العلوم الطبيعية إلا أنه لم يكن قد نال بعد حظاً من القرب إلى الله تعالى بقوله "كنت نيئاً"؛ وعبر عن المرحلة التي بدأ فيها بالوقوف في أجواء قلبية على الأسرار والحكم الإلهية، وترجمة صفحات كتاب الكون بقوله "فنضجت"؛ وعن مرحلة معرفة الله التي اكتوى فيها بالأسرار الإلهية، ووصل إلى العشق الحقيقي بقوله "فاحترقت".

ومن جانب آخر؛ فإنه لا نفع لأي عمل من أعمال الذي لم يفلح في البلوغ بقلبه إلى الاستقامة وفق معايير القرآن والسنة، مثل تحصيل العلم وغيره. كما قال سيدنا  علي بن أبي طالب t: «ظِل المعوج معوج مثله».

إن كافة أحوال الإنسان وحركاته وتصرفاته إنما هي انعكاس لعالمه الداخلي. فكما أنه لا ينتج خط مستقيم من المسطرة المعوجة، فكذلك من العبث انتظار تصرفاتٍ وأعمالٍ فاضلةٍ من إنسانٍ لم يطهر عالمه الداخلي ويصفِّه. فطريق أصحاب النوايا المظلمة لا يضاء. وكل إناء بما فيه ينضح. فلا تظهر أحوالٌ وتصرفاتٌ وأعمالٌ نظيفةٌ وبراقةٌ بالمعنى الحقيقي من قلب ملوثٍ ومتكدِّرٍ.

وبالتالي فإنَّ تحصيل العلم الحقيقيِّ ليس مجرد تخزين المعلومات في الذهن فحسب. بل لا بد لكي يكون العلم نافعاً لصاحبه في الدنيا والآخرة من خضوعه لتربية معنوية فيرتقي قلبياً نتيجة لتلك التربية، وينضج ويكتمل وجدانياً وأخلاقياً.

وإن غاية التصوف هي تزكية النفس، وإعداد الأرضية اللازمة لانكشاف الأحاسيس والمشاعر القلبية. إذ لا بد لكي يحصّل الإنسان الحكمة والعلم الحقيقي من أن يصفي قلبه الذي سيكون مستقراً لتلك المشاعر من كافَّة الأشياء والأمور الضارَّة، وحتى من الأفكار الثانوية وغير الضرورية.

جاء في إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية: «درْء المفاسد أولى من جلب المصالح».

أي إنَّ التخلُّص من الأشياء القبيحة والفاسدة مقدَّمٌ على اكتساب الأشياء النافعة والحصول عليها. ولهذا نجد أن الجُرح ينظّف ويُطهَّر من الجراثيم والقيح المتراكم أولاً، ثم يُضمَّد. وإلا فإنَّ الجرح لن يندمل ويُشفى مهما كان الضماد جيداً.

التّخَلِّي، التَّحَلِّي، التّجَلِّي ...

تُختصر رحلة التكامل المعنوي في التصوف بالجملة الآتية: "التخلي، ثم التحلي، ثم التجلي"

أي أن الرحلة المعنوية تبدأ:

أولاً بالتخلي؛ أي إفراغ العالم الداخلي من كلِّ الأمور والأشياء التي من شأنها إبعاد العبد عن الله تعالى؛ أي تطهير وتنظيف القلب من كافة الميكروبات والالتهابات المعنوية مثل: الشرك، والكفر، والنفاق، والرياء، والغرور، والكبر، والعجب، والحسد. ثم يأتي التحلي؛ أي التزود والتحلي بكل الأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة التي من شأنها تحبيب العبد إلى ربه، وجلب المحبة الإلهية. ويأتي على رأس هذه الأعمال والأخلاق إضافة إلى الفرائض نوافل العبادات، والخصال الأخلاقية مثل: السخاء، والكرم، والرحمة، والشفقة، والخدمة، والتضحية.

ثم يأتي التجلي؛ وهو نيل نصيب من التجليات المعنوية نتيجة للمراحل المتقدمة. أي التوجه نحو قمة معرفة الله ومحبة الله بعد اكتساب رقة القلب والغوص في أعماقه.

إذاً إن الله تعالى لا يكرم بأسرار وحكم تجليات القدرة والعظمة الإلهية المبثوثة في الكون وفي القرآن الكريم إلا القلوب المصفاة، والقلوب السليمة التي طُهِّرت ونُقيت معنوياً حتى صارت برَّاقة شفَّافة.

المرشدون الكاملون...

لقد قدَّم الله U للبشرية نموذج الإنسان الكامل بأمثل صورة في شخص نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. ولهذا فإن أعظم مرشدٍ وقدوةٍ لنا هو رسول الله r دون أدنى ريب وشك.

وإلى جانب ذلك؛ فإن إحدى وظائف نبينا عليه الصلاة والسلام الثلاث هي مهمة الإرشاد وهي تعني تلاوة الآيات وتبليغ الحلال والحرام؛ وتزكية النفس وتصفية القلوب من قبل العلماء، وقد تم الإيفاء بهذا الواجب وأداء هذه المهمة إلى يومنا هذا على يد المرشدين الكاملين.

وإن المرشدين الكاملين هم الشخصيات المثالية والنموذجية الذين يُعدون بحق ورثة الأنبياء. وهم ذروة كمال الإرشاد والسلوك النبوي الممتد والمشع على مر العصور والأزمان. أي أنهم "نماذج الإنسان الكامل" الذين سيُتخذون قدوة ومثلاً من قبل المحرومين من شرف رؤية أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وإن إرشاداتهم ووصاياهم التي تصدر بلسان الرحمة وتبث الحياة في القلوب هي في أساسها بمثابة قطرات روحانية مترشحة من المنبع النبوي.

وإن الخدمة التي يقوم بها المرشدون الكاملون هي عبارة عن سعيٍ للإيفاء بمهمة الأنبياء في التزكية والمحافظة على استمراريتها.

وبناء على ذلك فإن التصوف بدوره عبارة عن مدرسة معنوية يشرف عليها المربون الحقيقيون الذين صاروا ورثة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي مدرسة تجري فيها تزكية النفس، وتصفية القلب.

الشعور برعاية السنة ...

إن أهم ما يختصُّ به المرشدون الحقيقيون ويعدُّ بمثابة علامة فارقة لهم هو ارتباطهم وطاعتهم الفريدة والاستثنائية لرسول الله r. فسمتهم الأبرز هو حرصهم الشديد على رعاية واتباع القرآن الكريم وسنن رسول الله r التي تعدُّ التفسير الفعلي والعملي للقرآن، وكذلك تربية محبيهم وتعويدهم على الحرص عليها والشعور بعظمتها.

وتوضح الحادثة الآتية هذا الأمر خير إيضاح:

ذات يوم خرج أبو يزيد البسطامي الذي يُعد من كبار المرشدين الكاملين مع تلامذته ليلتقي برجل شهر نفسه بالولاية، وكان رجلاً هذا الرجل يقصده الناس وكان مشهوراً بالزهد. فلما اقتربوا منه خرج الرجل من بيته ورمى ببصاقه تجاه القبلة ثمَّ دخل المسجد. فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه حتى، وقال:

«هذا غير مأمونٍ على أدبٍ من آداب رسول الله r فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه؟!..».( القشيري، الرسالة، ص، 57، 416- 417)

وكذلك كان أبو يزيد البسطامي يقارن كلَّ حالة من أحواله بحالة الرسول عليه الصلاة والسلام، فيجعل حالة النبي ميزاناً فعلياً لحركاته وسكناته. وكان من أهم وصاياه قوله:

«من ترك قراءة القرآن، والتقشف، ولزوم الجماعة، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى وادعى هذا الشأن (أي التصوف) فهو مبتدع» (البيهقي، الشعب، 3، 305؛ ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص، 151)

يعني؛ إذا ابتعد المريد وناهيك عن المرشد عن مثل هذه السنن، أي عن واجبات العبودية الفردية منها والجماعية فإن ذلك دليل على أنه لا علاقة لمعاشه وقيامه وقعوده بالتصوف أبداً.

وإن صلاة التهجد، والقيام في الأسحار سنة مهمة للغاية أيضاً. حيث إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يترك صلاة التهجد  ولو كان في أطول أسفاره وأكثرها مشقة وتعباً. وانطلاقاً من ذلك فإنه لا يتصور ابتعاد أهل التصوف عن التهجد وإحياء الأسحار أو تساهلهم في هذا الأمر.

فقد قال أبو يزيد البسطامي: «لم يُفتح علي بسر أبداً من غير أن تصبح الليالي نهاراً».

وكذلك يقدم لنا أبو يزيد معياراً فريداً يدل على مدى حرصه على اتباع السنة النبوية ومراعاتها في حياته، وذلك بقوله:

«لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة الأكل والشراب، ومؤنة النساء. ثم قلت:

كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله r إياه؟! فلم أسأله» (القشيري، الرسالة، ص، 57؛ المناوي، فيض القدير، 6، 108)

إذاً يجب عدم اتباع الذين يتقمصون باسم الزهد والتقوى أحوالاً، ويقومون بتصرفات وأنواع من السلوك ليست موجودة في سنة رسول الله r. لأن هؤلاء الناس إنما يجعلون أنفسهم بهذه الرياضة والمجاهدة المفرطة والمبالغ فيها في مقام أعلى من رسول الله r من حيث التدين والزهد، وهذا ليس إلا جرأة على النبي عليه الصلاة والسلام، وغفلة وضلالاً.

وقد قال الله U بصدد تحذيره من هذا النوع من التمادي وتجاوز الحدود وقلة الأدب:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ...} (الحجرات:  1)

وعلينا أن لا ننسى أن نبينا عليه الصلاة والسلام الذي يُعد أقرب عبد إلى الله تعالى كان يوصي بالاعتدال والوسطية في كل أمر، وقد كان بذاته هو مثالاً حياً على ذلك... وإن الواقعة الآتية تبين هذا الأمر خير بيان:

عن قتادة في قوله:

(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)، الآية، ذكر لنا أنّ رجالا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام رَفَضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يتّخذوا الصوامع. فلما بلغ ذلك رسولَ الله r قال:«ليس في ديني تركُ النساء واللحم، ولا اتِّخاذُ الصوامع»

وخُبِّرنا أن ثلاثة نفرٍ على عهد رسول الله r اتَّفقوا، فقال أحدهم: أمَّا أنا فأقوم الليل لا أنام! وقال أحدهم: أمَّا أنا فأصوم النهار فلا أفطر! وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء! فبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام إليهم فقال: «ألم أُنَبَّأْ أنكم اتّفقتم على كذا؟»

قالوا: بلى! يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير! قال:

«لكني أقومُ وأنامَ، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس منِّي»

وكان في بعض القراءة:  «من رغب عن سنتك فليس من أمتك وقد ضل عن سواء السبيل».

وذكر لنا أن نبي الله عليه الصلاة والسلام قال لأناسٍ من أصحابه:

«إن مَنْ قبلكم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فهؤلاء إخوانهم في الدُّورِ والصوامع! اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وحُجُّوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم»

فنزل قول الله U:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمعْتَدِينَ} (المائدة:  87، الطبراني، 10/516)

إذاً لا خير في أنماط الحياة التي تكون خارج دائرة المعايير التي وضعها رسول الله عليه الصلاة والسلام للحياة البشرية. بل على العكس، إذ إنها تقود الإنسان إلى جملة من الأزمات الروحانية والنفسية. مثل الوقوع في حالة القلق، والاضطراب والتوتر، وفقدان التوازن، والاكتئاب، والعصبية، أو الانزلاق إلى الطرق غير المشروعة...

وبناء على ذلك فإن أقوم وأصوب طريق هو تلبية الاحتياجات البشرية ضمن دائرة الحلال وبشكل متوافق مع السنة النبوية. فلا يمكن اعتبار تحريم بعض أشكال الحلال لمبررات تبدو في الظاهر محقة مثل خدمة الدين أو التقرب إلى الله أكثر، لا يمكن اعتبارها على أنها من مقتضيات التدين أبداً.

ولذلك ينبغي على المؤمن أن يتذكر دائماً وقبل كل شيءٍ أن أعظم مرشد وقدوة هو رسول الله r. وأن يسعى جاهداً للتعرف عليه عن قرب. وأن يقيس كل حالة من أحواله بحاله عليه الصلاة والسلام. وبعد ذلك يصبح من السهل جداً تمييز الذي يسير على نهج رسول الله r من المتنكب عنه، ومعرفة من الذي يجب الاقتداء به، ومن يجب الابتعاد عنه...يقول المفسر البورصوي في هذا المجال:

«فإذا اتبعت فاتبع سيد المرسلين محمداً r الذي آدمُ ومن دونه من الأنبياء والأولياء تحت لوائه.

وإذا اتبعت واحداً من أمته فلا تتبعه لمجرد كونه رجلاً مشهوراً بين الناس مقبولاً عند الأمراء والسلاطين، بل الواجب عليك

أن تعرف أولاً الحق ثم تزن الرجال به. وفيه قال باب العلم الرباني علي t:

من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال بل اعرف الحق “من القرآن والسنة” تعرف أهله».( روح البيان، ج6، ص، 370- 371، منشورات الأرقم)

وبناء على ذلك، فينبغي عدم إيلاء أي اعتبار وأهمية للذين ليسوا حريصين على مراعاة القرآن والسنة النبوية في معاشهم وحركاتهم وسكناتهم ـ وإن كانوا مشهورين بين الناس بالتقوى والإرشاد ـ . وإن ظهرت عليهم أحوال تشبه الكشف، والكرامة، والفضيلة فينبغي التعامل معها بحذر. لأن أكثر هذه الأحوال ليست كرامة وفضيلة، وإنما استدراج. (الاستدراج: نقيض الكرامة. فهو جملة من الخوارق التي تظهر على يد بعض الكافرين والفاسقين والمتمشيخين، أي على يد أدعياء الولاية رغم أنهم بعيدون عنها كل البعد. وهذه الخوارق والأحوال هي امتحانات وابتلاءات إلهية تقود أصحابها تدريجياً إلى الهلاك)

وقد لفت جنيد البغدادي ـ رحمه الله  ـ الأنظار إلى هذه الحقيقة فقال:

«إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء، وحاله لا يطابق الكتاب والسنة فهو استدراج (وليس كرامة)».

وقال عبد الله الجرجاني:

«لا يبلغ العبد مرتبة "فناء النفس» إلا إذا أخذ القرآن الكريم بيد، والسنة المطهرة بالأخرى وسار على الطريق بنورهما."(عبد الرحمن جامي، نفحات الأنس من حضرات القدس. (تحقيق: محمود عابدي، طهران 1375 ه/1996، ص، 384)

وكذلك أوصى أحد مريديه فقال له:

«لا تنقطع عن تعلم العلم أبداً! فتعلَّمِ الفقه والحديث! واياك وتزمت الجاهلين، فيضلك عن طريق الدين... واستمسك بالسنة النبوية، وسر على طريق الأئمة الصالحين!..».

انظر ممن عمن تأخذ دينك...

ولذلك ينبغي على المؤمن أن يتعلم الحق والحقيقة أولاً من القرآن والسنة. ثم يحدد الإنسان الذي سيتخذه مرشداً ودليلاً وفق معايير القرآن والسنة أيضاً، ويحاول جاهداً السير على منهاجهما. إذ لا يستطيع أحدٌ أن ينفع الذين لا يتبعون القرآن والسنة، ولو كان مرشداً كاملاً حقيقياً.

نسأل الله تعالى أن يكرمنا بعمر نمضيه على منهاج القرآن والسنة، ويوفقنا للسير على طريق أحبائه، ويحشرنا مع عباده الصالحين. آمين!..

نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 25، 4/2018...