أخلاق التجارة في الاقتصاد الإسلامي

نحن مكلفون أن نكتسب المال من طرق حلال وننفقه في طرق حلال. والتاجر العارف الناصح هو الذي يداوم على تجارة الدنيا دون أن يهمل التجارة الأكبر منها وهي عمارة الآخرة لأنها تجارة لن تبور ولا ينفصل عن الطريق الإلهي الذي هو السعادة الأبدية.

ذات يوم مر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على صبرة طعام. فأدخل يده فيها. فنالت أصابعه بللاً.

فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء. يا رسول الله!

قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» (مسلم، الإيمان، 164)

إن نظام الاِقتصاد الإسلامي الذي يوضحه هذا الحديث الشريف قد أقام أساس التجارة على مفهوم خدمة الفرد والمجتمع بالصدق والأمانة. فالنشاط التجاري الذي يمكن أن نسميه انتقال المال من المنتج إلى المستهلك، والذي يتطلب السعي لتنمية رأس المال، والذي يواجه احتمالاً لأضرار تصيب العمل، هو نشاط حلال بالطريقة التي تزيد فائدة المال وربحه حتى إنه يحث عليه ويُشجع من يقوم به. ولو قارنا كيف عبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن هذا الأمر بلسانه الشريف حتى قال:

«تسعة أعشار الرزق في التجارة» (ابن حجر العسقلاني، المطالب العالية، 9، 352: 1434)   لَفَهمنا بسهولة درجة هذا التشجيع.

ومن ناحية أخرى فإن ركنين من أركان الإسلام الخمسة وهما: الحج والزكاة محصوران وخاصان بالمؤمنين الأغنياء، وهي إشارة في نفس الوقت لتشجيع المؤمن على أن يكون غنيًّا من طرق مشروعة. وذلك الحكم الذي ورد في الحديث الشريف القائل:

«اليد العليا خير من اليد السفلى» (البخاري، الزكاة، 18)

ومع ذلك يجب ألا ننسى في التجارة التي هي أهم وسيلة لاكتساب المال والثروة ذلك الحديث الشريف القائل:

«إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال» (أحمد، 4، 160)

لأن الحرص على اكتساب المال هو واحد من أخطر العوائق الرهيبة التي تضعف النفس، وأي شخص حريص طمّاع يشبه جرة أو إناء على الرغم من امتلاء بطنها إلا أن فمها لا يغلق أبداً. والحال هكذا فلو نهضت لتفرغ ماء الأنهار في إحدى الأواني ما الذي تستطيع تلك الجرة أن تحمله أكثر من طاقتها على الأِستيعاب؟

مرة أخرى فإن الطَماع يشبه موقدًا أو مدفئة أو فرنًا كلما غذيته بالفحم والحطب لا يشبع ولا ينطفئ أبدًا، بل على العكس تزيد حرارته ولهيبه. وبسبب هذا الحرص الشديد فإنه لا حد للحيل والألاعيب التي يقوم بها بنو آدم في التجارة، لهذا السبب فقد انهار كثير من الأقوام. من جديد فإن هذه الدنيا ممتلئة بكثير من سالكي الغفلة الذين لا يعقلون. كما أن التاريخ لا يخلو من الغاصبين الذين يمتصون حقوق الفقراء، والبؤساء والأيتام والأرامل والمحتاجين -بشهوة مصاصي الدماء- بسبب ثرواتهم الفاحشة التي لا حد لها، بدل أن يراعوا حقوقهم بالإنفاق والزكاة ومختلف أنواع الخير والحسنات.

فالدين ليس هو الدعوة لجلب السعادة والراحة للبدن الذي هو بمثابة حمل وثقل على الروح، بل على العكس فإن الدين هو دعوة لأن تصير روح الإنسان متحكمة ومسيطرة على بدنه وشهوته. والتجارة بعد مرحلة ما يجب أن تضع اللِجَام على أطماعنا وشهواتنا لكي لا نصاب بالخسران في الدنيا والآخرة إذا ما تجاوزت الحد. ويكون من الوهم والخيال البحث ببساطة عن التاجر في مجتمع مملوء بالمحتكرين والمرتشين .

ومن أجل أن يعتبر الأقوام والبشر حتى يوم القيامة فقد أعلمنا الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن هلاك قوم مدين أصحاب الأيكة قوم سيدنا شعيب عليه السلام قد تحقق بسبب فساد أخلاق التجارة إلى أقصى حد. ومن أجل ذلك فإن أكل الحرام والغش في التجارة، وسحق الضعفاء هو جُرم وذنب ثقيل للغاية حتى إنه يكون سبباً في هلاك أحد الأقوام، لذا فقد حذرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف فقال:

«تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (البخاري، الرقاق، .1)

وعندما مدح أحد الأشخاص رجلاً أمام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله عن ثلاثة أشياء فقال له:

هل جاورته؟   قال: لا، هل سافرت معه؟  قال: لا،  هل تعاملت معه بالدينار والدرهم؟   قال: لا، قال عمر: أظنك أنك رأيته يَهُزُّ رأسه وهو يقرأ القرآن . فأجاب الرجل: نعم يا عمر فهو كذلك. قال عمر رضي الله عنه: إذن لا تمدحه لأن الإخلاص ليس موجوداً على رقبة العبد.

إن المقياس الذي أعطاه هنا سيدنا عمر بن الخطاب يقوم على عدم الانخداع بالظاهر، بل يكون بالنظر إلى أفعال الشخص وعلاقاته البشرية. وهو إشارة إلى خطر التزكية التي لا تأخذ في الاعتبار التعرض لامتحان المنفعة.

ومثلما رأينا فإن التجارة تعكس العالم الباطني للفرد على الخارج يعني أيما كان العالم الداخلي للفرد فإن تجارته تكون على نفس الشاكلة.

وتبعًا للإسلام يجب على التاجر عندما يشتري شيئًا ألا يبخسه عن عمد، أيضًا عندما يبيع شيئًا يجب ألا يستعمل عبارات تظهر الشيء أعلى من قيمته. ويجب ألا يخرج عن مستوى الأسعار القياسي مستفيدًا من ضعف المشتري. ويجب ألا يدخل في الغبن الفاحش. ويجب ألا يغش في الميزان والمقياس، وألا يتعامل بالسوق السوداء والربا. ويجب تجنب الحلف والقسم ويجب ألا يبيع أو يشترى الأشياء الحرام التي تسبب الضرر للمجتمع.

وما أجمل قواعد التجارة التي وضعها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديثه الشريف عندما قال: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّار»‏‏. ‏

فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ:

«‏إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلاَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَبَرَّ وَصَدَق» (أحمد، 4، 160) ‏

و«الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» (البخاري، البيوع، 26) ‏

أي يجب إعلام البائع الذي لا يعرف قيمة ما يملكه بقيمة ما يملكه، فالغبن هو الاستفادة من عدم معرفة وخبرة البائع وسذاجته أما الذين كانت غايتهم اكتساب رضا الحق تعالى وملأت الخشية منه قلوبهم فإنهم يكونون مدققين وحساسين إلى أقصى درجة في هذا الشأن. وقد سأل الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان المرأة عن ثمن لباس مصنوع من الحرير أراد أن يشتريه لنفسه. فقالت المرأة: بمائة درهم يا إمام.

فقال لها «لا، بل هو أغلى من ذلك». فزادت المرأة مائة درهم أخرى وهى متعجبة. ومرة أخرى لم يقبل الإمام فزادت المرأة مائة درهم أخرى ثم مائة أخرى.  وعندما قال الإمام أبو حنيفة

«يا أمة الله لا؛ إنه يساوى أكثر من أربعمائة درهم» فلم تستطع تلك المرأة أن تمنع نفسها من أن تقول: «أتسخر مني يا إمام؟»

وعند ذلك نادى الإمام على واحد ممن يفهمون هذا العمل ليُعلم المرأة السعر الحقيقي لما تملكه. وجاء هذا الرجل وثمّن الثياب بخمسمائة درهم، وعندئذ اشترى الإمام بهذا السعر.

وذلك لأنه كان يعرف أن الابتعاد عن الصدق وإخفاء عيوب ونواقص الأشياء وعدم مراعاة الدقة في المكيال والميزان تصيب الإنسان بعواقب وخيمة وحزينة للغاية.

وقد تربى المجتمع العثماني وامتزج بهذه الأخلاق، وهكذا استطاع أن يؤمن سعادة وسكينة البشر بدرجة ما جعلت أهل الكفر في دهشة وحيرة. وهذه الحادثة التي عاشها راهبان بعد فتح مدينة اسطنبول على يد السلطان الفاتح عندما كانا يدوران من أجل مراقبة التجار العثمانيين تعد أجمل نموذج يعكس تلك الحال. فقد نهض الراهبان في ساعات الصباح المبكرة وذهبا إلى بقال وطلبا أن يشتريا عدة أشياء. فقال لهما البقال: لقد استفتحت، خذا من جاري الذي لم يستفتح. وعند ذلك ذهبا إلى بقال آخر قال لهما نفس الشيء، لقد استفتحت خذا من جاري الذي لم يستفتح. فذهب الراهبان إلى بقال آخر فحصلا على نفس الجواب السابق. وفى النهاية اشتريا من أول بقال ذهبا إليه.

وهكذا فإن أجدادنا العثمانيين قد تربوا ونشأوا في محضن أخلاقي يجعل الإنسان معطاءً ومحباً للغير على هذا النحو. وفي هذا المحضن الأخلاقي الذي هو عبارة عن أخلاق الإسلام كان كل فرد يفكر في الآخر. ولذا فإن الغش هو جرم ثقيل للغاية عند أي مسلم، فالمسلم لا يكذب ولا يغش. أما الانخداع والسفه فهو علامة حمقٍ، وذلك لا يليق بأي مسلم. فالأنبياء الذين أرسلوا مرشدين للبشرية كانوا متصفين بالصدق والفطنة. والمسلم الذي يسير على هديهم يجب عليه أن يكون ذا عقل يقظ. لذا فقد نبه الله تعالى في هذا الشأن إلى عدم الانخداع بالمخادعين، فقال:

{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (النساء، 5)

وبالنسبة للمخادعين فقد ذكرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديثه الشريف مهدداً فقال:

«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم فقرأها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاث مرات. قال أبو ذر رضي الله عنه خابوا وخسروا. من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (مسلم، الإيمان 171)

ومن ناحية أخرى فإن المحتكرين الذين يحتكرون السلع ويبيعونها في السوق السوداء بسعر غالٍ مذمومون في نظام الإسلام الأِقتصادي.

وهؤلاء قد دعا عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديثه الشريف فقَالَ: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (ابن ماجه، التجارات، 6)

فالإسلام يوضح القواعد المتعلقة بالتجارة في كيفية الربح وكيفية الإنفاق، لذا حرم الله تعالى المعاملات التي تتم بعيداً عن التراضي والموافقة بين الطرفين فقال في كتابه العزيز:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء، 29)

وقد احتوت عبارة -ولا تقتلوا أنفسكم- على معنى مهم ودقيق، وفيها تنبيه يحذرنا أن نمحو الحياة الروحية وأن نكون من أهل جهنم. ومن ناحية أخرى فهي تلفت الاِنتباه إلى أن قسماً من الدعاوى والجنايات يستند في حقيقته على الحرص على الكسب، وأكل المال بغير حق.

ومن أجل الوقاية من هذه المهلكات فيجب البقاء داخل قواعد التجارة التي وضعها الإسلام وعينها، وخاصة تجنب الربا، وهو أهم مسألة في هذا الأمر.

فالربا هو طرح استثماري يتجنب المخاطرة والتنافس في استعمال رأس المال، وهو ببساطة يكون سببًا لكي يصير الغني أكثر ثراء، ويصبح المحتاج أكثر احتياجًا. ويوجد حديث مخُيف للغاية قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم في حق الربا حينما قال في خطبة الوداع ليحرم كل أنواع الربا:

«أَلاَ إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ» (أبو داود، البيوع، 5)

وما أقسى وأخوف ذلك التهديد في تلك الآية الكريمة التي توضح أن القهر الإلهي يتجلى ويظهر بسبب الربا حين يقول سبحانه وتعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(البقرة، 278-279)

فَمَن مِنَ الكائنات يُحارب الخالق سبحانه وتعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم أشرف الكائنات ويخرج منتصرًا؟

ولو تعامل أي مؤمن بالربا فإنه يخسر ماله ويُضعف إيمانه. أما الفاسق فإن ماله يزداد، لأنه عندما ذهب في طريق الخطأ استحق العقاب أكثر. أي أن هذا الطريق يجعله يكسب أكثر في الدنيا. ومثل هؤلاء ينالون مهلة حتى تأتي لحظة العقاب التي لا مفر منها، وذلك لأن الحق سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. ويجب أن ننتبه كثيرًا لذلك التهديد الإلهي في الآية الكريمة، لأن عكس ذلك الانتباه يكون وهماً وخيالاً كبيرًا.

يقول جابر رضي الله عنه: لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آكل الربا ومُوكله وكاتبه وشاهديه وقال:«هم سواء» (مسلم، المساقاة، 106)

وما أجمل حال أبى حنيفة النعمان ذلك الإمام الكبير الذي لم يستفد حتى من ظل شجرة الدائن قائلاً أن هذا وضع يشبه الربا والفائدة.

وتوجد حِكَم وأسباب كثيرة مؤكدة لمنع الربا، ويأتي على رأسها أمور مثل أنه زيادة بلا عمل، ويفتح الطريق لزيادة السعر التقليدي، ويضعف المميزات الإنسانية والأخلاقية مثل التعاون والمساندة والحب والرحمة والشفقة ويشعل الأنانية، ويلهب الحرص والطمع في اكتساب المال والنفوذ. والإسلام الذي حرم الربا في مواجهة كل هذه الأسباب قد حث في مقابل ذلك على القرض الحسن في سبيل الله سبحانه وتعالى، وعدّ ذلك القرض الذي يُعطى لشخص أكثر فضلاً من الصدقة حتى وإن قل. ورغم هذه الأحوال كلها فإن أصحاب العمل الشرفاء والتجار الصادقين والأمناء ظلوا قلة من ناحية العدد، وربما من أجل ذلك فقد أخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام التجار الأمناء الصادقين عن المكافأة الكبيرة التي تنتظرهم فقال في حديثه الشريف:

«التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ» (الترمذي، البيوع، 4؛ ابن ماجه، التجارة، 1)

وكان الإمام أبو حنيفة رجلاً غنيًا صاحب ثروة ضخمة وكان يشتغل بالتجارة. ولكنه بسبب انشغاله بالعلم كان يسير أعماله التجارية عن طريق وكيل له، وكان يفتش بنفسه على التجارة التي يقوم بها هذا الوكيل لتكون دائمًا في دائرة الحلال، وكان حساسًا لدرجة كبيرة في هذا الشأن، حتى إنه في إحدى المرات أرسل حفص بن عبد الرحمن ليبيع قماشاً له، وقال له: «يا حفص! إن في هذا القماش عيوباً كذا وكذا. فأخبر المشتري بهذه العيوب وبع القماش بسعر رخيص».

فباع حفص القماش بالسعر الذي طلبه الإمام، ولكنه نسي أن يوضح العيوب التي فيه للمشتري كما قال له الإمام. وعندما علم الإمام أبو حنيفة بهذا الأمر قال لحفص: «هل تعرف من اشترى منك ذلك القماش؟ فلما أخبره حفص أنه لا يعرف من اشتراه. وزع الإمام المال كله صدقة على الفقراء، لأنه كان يعيش ويتحرك ضمن مقاييس التقوى في شأن الحلال والحرام، تلك المقاييس التي بيّنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمرو بن العاص عندما قال له: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» (أحمد، المسند، 4، 197)

لأن مراعاة الحلال والحرام هي من ألزم الضرورات من ناحية تطهير المال الذي هو أمانة لدنيا و من ناحية الحساب عليه في الآخرة. والواقع أن العقوبات التي تنشأ من الإخلال بالقواعد التي وضعها الدين في تجنب أكل المال الحرام لا تكون قاصرة على من ارتكب هذا الذنب في الآخرة فقط، بل إن البلاء الذي ينشأ من هذا الأمر يشمل الأجيال والأحفاد الذين لم يكن لديهم دخل في اكتساب هذا المال الحرام في الدنيا أيضًا... وغالبا فإن مرارة هذا الفعل لا تكون في الآخرة فقط، بل تظهر في الدنيا أيضاً. وهناك مثل يجري على ألسنة العامة يقول: «الجد يأكل الحصرم والحفيد يُضرس».

وهناك حقيقة أن أكثر الذين ورثوا ثرواتهم من مال حرام لم يستطيعوا أن يسلكوا طريق الصواب، لأن هناك سراً في المال هو أنه يذهب من نفس الطريق الذي جاء منه، فلو أن المال جاء من طريق حرام لأنفقه الورثة بعد ذلك في طُرق سيئة.

وهكذا فإن أي مال يشبه الحية فكما أن الحية تدخل في نفس الثقب الذي خرجت منه، فإن محل إنفاق المال يكون مرتبطاً بصفة تحصيله واكتسابه.

وما أعظم الدعاء الذي جاء على لسان سيدنا موسى عليه السلام ذلك الدعاء الذي جلبه مال لم يستعمل في طريق الإيمان والتقوى على الفسق والكفار، إذ يقول الحق على لسان موسى عليه السلام:

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}(يونس، 88)

ويا ربّ اجعل إخواننا -أهل التجارة- أفرادًا صالحين لأوطاننا وأمتنا ويسلم المؤمنون من ألسنتهم وأيديهم ويستفيدون منهم، ويسر لهم الأعمال الصالحة التي تكون وسيلة للرحمة والبركة في الدارين. آمين...

نشرت في مجلة الميزاب الذهبي، العدد ، 3، 1/2012